مدينة المعارض في دمشق مواقع التواصل

اختتم معرض “إعمار 2026” في دمشق بتوقيع 3200 عقد تجاوزت قيمتها 1.756 مليار دولار، وسط مشاركة 356 شركة وتحديات كبيرة أمام إعادة الإعمار.

اختتمت الدورة الثانية من المعرض الدولي لإعمار سوريا “إعمار 2026” في دمشق بإعلان توقيع 3200 عقد مباشر بقيمة إجمالية تجاوزت 1.756 مليار دولار، إلى جانب 412 مذكرة تفاهم بين شركات ومؤسسات محلية وعربية ودولية، في حصيلة تعكس اتساع حجم النشاط الاستثماري المعلن حول إعادة إعمار سوريا. لكن الرقم، رغم حجمه، يمثل قيمة عقود موقعة وليس بالضرورة قيمة مشاريع اكتمل تنفيذها على الأرض.

356 شركة من 27 دولة في “إعمار 2026”

استمرت فعاليات المعرض أربعة أيام في مدينة المعارض بدمشق، بمشاركة 356 شركة من 27 دولة، تمثل أكثر من 1700 وكالة تجارية محلية وعربية ودولية.

وشملت المشاركة قطاعات الطاقة والصناعة والإنشاءات والبنية التحتية والتطوير العقاري، إلى جانب حضور جهات اقتصادية ورسمية من دول عربية وإقليمية، فيما تضمن برنامج المعرض لقاءات مباشرة بين الشركات وندوات وجلسات متخصصة لبحث فرص الاستثمار والشراكات. 

وبحسب بيانات المعرض، ارتفع عدد المشاركين بنسبة 145 بالمئة مقارنة بالدورة السابقة، ما يعكس توسع حجم المشاركة التجارية في النسخة الثانية.

عقود كبرى في الطرق والإسكان والمياه

أظهرت الحصيلة النهائية تفاوتاً كبيراً في طبيعة العقود وقيمتها، مع تركّز جزء من الاتفاقيات في قطاعات مرتبطة بإعادة الإعمار المباشر.

ومن أبرز العقود المعلنة عقد بقيمة 300 مليون دولار لشركة “الرواف للمقاولات” السعودية لتنفيذ أعمال طرق وبنية تحتية، إضافة إلى عقود توريد إسمنت بقيمة 72 مليون دولار بين “مجموعة الحسن القابضة” و”إسمنت الجوف”. كما وقعت “شركة الأنظمة التقنية المتقدمة” عقداً بقيمة 15 مليون دولار لتنفيذ مشروع لتنقية المياه ومحطات ضخ. 

وشملت الاتفاقيات كذلك عقود توريد للبنية التحتية ومواد البناء والإكساء لتنفيذ مشروع “شام فيو” السكني في دمشق، بحسب الشركة المنظمة للمعرض. 

412 مذكرة تفاهم.. لكن ليست كلها استثمارات منفذة

إلى جانب العقود المباشرة، أعلن المنظمون توقيع 412 مذكرة تفاهم مع شركات ومؤسسات سورية وعربية ودولية.

وهنا تبرز ضرورة الفصل بين نوعي الاتفاقيات. فالقيمة البالغة 1.756 مليار دولار تخص العقود المباشرة التي أعلنت عنها الشركة المنظمة، ولا ينبغي إضافة قيمة مذكرات التفاهم إليها تلقائياً أو اعتبارها جميعاً مشاريع دخلت مرحلة التنفيذ.

وأشارت الشركة إلى أن بعض الاتفاقيات انتقلت بالفعل إلى مرحلة الجاهزية للتنفيذ، فيما أعلنت تحديداً أن عقد “مجموعة الحسن القابضة” مع “إسمنت الجوف” أصبح جاهزاً للبدء بالتنفيذ الفعلي.

ماذا يعني الرقم بالنسبة إلى إعادة إعمار سوريا؟

تكتسب حصيلة “إعمار 2026” أهميتها من حجم الفجوة بين الاحتياجات الفعلية لإعادة الإعمار وحجم التمويل والعقود المعلنة حتى الآن.

فالبنك الدولي قدّر في تقييم شامل نُشر عام 2025 تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. وقدّر الأضرار المادية المباشرة للبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بنحو 108 مليارات دولار. 

ويشمل تقدير البنك الدولي نحو 82 مليار دولار لإعادة إعمار البنية التحتية، و75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمباني غير السكنية. كما أشار إلى أن التقدير يتعلق بإعادة بناء الأصول المادية ولا يشمل جميع الخسائر الاقتصادية أو كامل كلفة استعادة الخدمات.

وبالمقارنة مع هذه الاحتياجات، فإن قيمة العقود المعلنة في المعرض تمثل جزءاً محدوداً من فاتورة إعادة الإعمار المقدرة، حتى مع أهمية القطاعات التي تستهدفها بعض الاتفاقيات.

الاستثمار بين الإعلان والتنفيذ

تُظهر أرقام المعرض انتقال النقاش الاقتصادي في سوريا من مرحلة البحث عن فرص الاستثمار إلى الإعلان عن عقود محددة، لكن الاختبار الحقيقي يبقى في قدرة هذه العقود على التحول إلى مشاريع منفذة.

فالعقد الموقع لا يعني بالضرورة اكتمال التمويل أو بدء الأعمال في جميع الحالات، كما أن تنفيذ مشاريع البنية التحتية والإسكان والصناعة يتطلب إجراءات تمويلية وفنية وإدارية، فضلاً عن تأمين سلاسل التوريد والبيئة التشغيلية اللازمة.

وحتى الآن، تشير المعلومات المعلنة إلى أن جزءاً من الاتفاقيات دخل مرحلة الاستعداد للتنفيذ، بينما لم يعلن المنظمون أن جميع العقود البالغ عددها 3200 انتقلت إلى العمل الميداني.

لماذا يركز المعرض على البنية التحتية؟

يعكس توزيع العقود المعلنة طبيعة الاحتياجات السورية بعد سنوات الحرب. فالطرق والمياه والإسكان ومواد البناء والطاقة والصناعة تمثل قطاعات ترتبط مباشرة بإعادة تشغيل الاقتصاد واستعادة الخدمات.

ويشير تقييم البنك الدولي إلى أن البنية التحتية كانت القطاع الأكثر تضرراً من حيث قيمة الأضرار المباشرة، بنحو 52 مليار دولار، وهو ما يفسر أهمية المشاريع المرتبطة بالنقل والمياه والطاقة في أي خطة إعادة إعمار طويلة الأمد.

وتبرز كذلك منطقة ريف دمشق ضمن المحافظات الأكثر تضرراً، ما يجعل الاستثمار في الإسكان والبنية التحتية في دمشق وريفها جزءاً رئيسياً من احتياجات التعافي.

من المعرض إلى الاقتصاد الفعلي

لا تكمن أهمية “إعمار 2026” في حجم الأرقام المعلنة فقط، بل في اختبار قدرة السوق السورية على تحويل اللقاءات التجارية إلى استثمارات مستدامة.

فمشاركة شركات من 27 دولة، وتوقيع آلاف العقود ومئات مذكرات التفاهم، يوفران مؤشراً على اتساع مساحة التفاعل التجاري حول سوريا. لكن أثر ذلك على الاقتصاد سيقاس لاحقاً بحجم المشاريع التي تبدأ فعلياً، وفرص العمل التي توفرها، وحجم الإنتاج والخدمات التي تضيفها، ومدى قدرتها على تحسين البنية التحتية والخدمات.

 

  • محمد جابر

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top