يتبدّى النقاش حول التدخل العسكري السوري المحتمل في لبنان لقتال حزب الله بوصفه واحداً من أكثر الملفات حساسية وتشابكاً في المشهدين السوري واللبناني، ليس فقط بسبب الإرث التاريخي الثقيل الذي تركه التدخل السابق في ثمانينيات القرن الماضي، بل أيضاً بسبب التحولات العميقة في موازين القوى الإقليمية والدولية، وتغيّر موقع سورية في المعادلة بعد الحرب، وتبدّل موقع لبنان نفسه بين النفوذ الإيراني والضغوط الأميركية والإسرائيلية.
إنّ أي مقاربة لهذا الملف لا يمكن أن تنطلق من العاطفة أو من ردود الفعل، بل من قراءة دقيقة للتجربة السابقة، وللمصالح المشتركة، وللشروط السياسية والأمنية التي تجعل التدخل مشروعاً أو كارثياً، مفيداً أو مدمّراً، وطنياً أو مجرد ورقة في يد الآخرين. فالتدخل السوري في لبنان خارج التنسيق مع الحكومة اللبنانية سيكون خطأً استراتيجياً فادحاً، يعيد إلى الأذهان تجربة الاحتلال الذي أقدم عليه حافظ الأسد، وما تبعه من تدهور العلاقات السورية اللبنانية، وانزلاق البلدين إلى صدامات وحروب أهلية، وانقسام سياسي واجتماعي عميق ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم.
إنّ أي خطوة عسكرية غير منسّقة ستبدو كأنها إعادة إنتاج لمرحلة انتهت، وستفقد سورية ما حققته من إعادة تموضع سياسي، وستضعها في مواجهة الداخل اللبناني قبل مواجهة حزب الله، وهو ما لا يمكن تحمّله في لحظة إقليمية دقيقة.
لكنّ المقاربة الأكثر واقعية تفترض أنّ التدخل، إذا حصل، يجب أن يكون لمصلحة الطرفين، وأن يسبقه اتفاق أمني شامل في سورية، تحت إشراف دولي مباشر، يتضمن شروطاً واضحة وصارمة، أهمها الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي السورية المحتلة حديثاً، والعودة إلى حدود اتفاق 1974، بما يعيد تثبيت قواعد الاشتباك ويمنح سورية شرعية سياسية وشعبية لأي خطوة لاحقة.
فالتدخل بلا ثمن، كما يقول كثير من المحللين، سيكون انتحاراً سياسياً، أما ربطه بانسحاب إسرائيلي كامل فهو ما يجعل الخطوة قابلة للهضم داخلياً، ومفهومة خارجياً، ومبررة وطنياً.
الأميركيون قادرون على إنجاز هذه الصفقة، وإذا لم تُنجز، فإنّ أي تدخل سوري سيبدو كأنه خدمة مجانية لإسرائيل، وهو ما لا يمكن للرأي العام السوري قبوله، خصوصاً بعد سنوات من الثورة السورية وما رافقها من تضحيات.
في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أنّ حزب الله بات يشكل تهديداً مباشراً لاستقرار سورية ولبنان معاً، ليس فقط بسبب ارتباطه العضوي بإيران، بل أيضاً لأنه يحتضن في البقاع فلول النظام البائد، ويوفر لهم بيئة خصبة للتدريب والتمويل وإعادة التنظيم، وهو ما يشكل خطراً أمنياً على الداخل السوري، ويجعل من البقاع منصة لإعادة تدوير شبكات التهريب والمخدرات والسلاح.
إنّ بتر هذا الخطر واجب وطني، لكنه في الوقت نفسه مهمة لبنانية أولاً، لأنّ حصر السلاح بيد الجيش اللبناني هو المدخل الطبيعي لإنهاء منظومات إيران في لبنان، ولإزالة خطر حزب الله من سورية. التدخل السوري هنا لا يعني الاحتلال، ولا يعني التحول إلى أداة بيد إسرائيل، بل يعني مساندة لبنان في استعادة سيادته، شرط أن تكون المصالح المشتركة واضحة، وأن يكون القرار لبنانياً رسمياً، لا قراراً فئوياً أو حزبياً.
ولا يمكن الحديث عن إنهاء النفوذ الإيراني في لبنان من دون جهد دولي واسع، تشارك فيه الدول العربية الأساسية، وعلى رأسها السعودية ومصر وقطر، لأنّ أي محاولة سورية منفردة ستبدو قاصرة، وستضع دمشق في مواجهة مباشرة مع طهران من دون غطاء عربي أو دولي.
الدور الفرنسي أيضاً بالغ الأهمية، فباريس تاريخياً لاعب مركزي في لبنان، وتملك القدرة على توفير مظلة سياسية لأي عملية انتقالية تتعلق بالسلاح والحدود والشرعية.
أما الولايات المتحدة، فهي الطرف القادر على تقديم ضمانات حقيقية بعدم دعم الاحتلال الإسرائيلي لأي مكوّن سوري، خصوصاً الدروز، وضمان أن يبقى الشأن الداخلي سورياً سورياً، بعيداً عن أي عبث أو تقسيم أو استغلال سياسي.
إنّ الحشد العسكري السوري الذي شوهد متجهاً نحو القصير والزبداني والحدود اللبنانية لا يمكن قراءته بمعزل عن الطلب الأميركي بإشراك سورية في الحرب ضد حزب الله. لكنّ هذا الطلب، كما يرى كثير من الخبراء، يصب في خدمة إسرائيل التي لا تستطيع ملاحقة الحزب في البقاع إلا جوّاً، بينما يستحيل عليها التواجد على الأرض حيث النفوذ الإيراني الكثيف.
هنا تتقاطع المصالح صدفة، لكنّ الصدفة لا تعني التوافق المسبق، بل تعني أنّ السياسة قادرة على تحويل التقاطع إلى صفقة، والصفقة إلى مكسب، شرط أن تكون الشروط واضحة، وأن يكون الثمن مناسباً، وأن يكون القرار وطنياً لا مفروضاً.
إنّ الرد السوري على الطلب الأميركي يجب أن يكون إيجابياً في المبدأ، لكنّ قبوله شعبياً وسياسياً يتطلب ربطه بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي السورية. من دون هذا الربط، سيبدو التدخل كأنه خطوة غير مفهومة، أو كأنه انحياز غير مبرر، أو كأنه تكرار لتجربة سابقة تحولت إلى احتلال.
أما التنسيق المسبق مع الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني فهو شرط لا يمكن تجاوزه، لأنّ وحدة لبنان من وحدة سورية، وحريته من حرية سورية، ولا يمكن تصفية الوجود الإيراني وحزب الله في لبنان من دون شريك لبناني رسمي، وضمانات أميركية بانسحاب القوات السورية بعد انتهاء المهمة.
في النهاية، تتقاطع المصالح في كل الحروب والسياسات، لكنّ صعوبة ابتلاع التدخل بلا مقابل تجعل من ربطه بالانسحاب الإسرائيلي شرطاً وطنياً لا يمكن التنازل عنه.
وما عدا ذلك، لا تدخل، ولا من يصفق له في الداخل السوري، ولا من يراه خطوة في الاتجاه الصحيح.
إنّ سورية اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تدخل لبنان كدولة ذات سيادة، وفق اتفاقات واضحة، وبموافقة لبنانية ودعم دولي، وإما أن تكرر تجربة الماضي، وهو ما لن يقبل به السوريون ولا اللبنانيون ولا المجتمع الدولي.
هذه المرة، لا مجال للخطأ، ولا مجال للعودة إلى الوراء، ولا مجال لتكرار التاريخ، بل لكتابته من جديد، بشروط جديدة، وبموازين قوى جديدة، وبوعي كامل بأنّ أمن سورية يبدأ من لبنان، وأنّ أمن لبنان يبدأ من سورية، وأنّ الخطر الإيراني وحزب الله لا يمكن مواجهته إلا بشراكة حقيقية، لا باحتلال جديد.






