أعلنت وزارة الخارجية التركية بدء مفاوضات رسمية مع المملكة العربية السعودية ودول المنطقة لإحياء خط سكة حديدية يمتد من تركيا عبر سورية والأردن وصولاً إلى السعودية ودول الخليج، في إطار مشروع “الحجاز الحديث” الذي يستند إلى تحديث خط الحجاز التاريخي.
ويأتي هذا التحرك بعد تأكيد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن أنقرة بدأت بالفعل محادثات فنية وسياسية مع الرياض وعواصم أخرى لوضع الإطار التنفيذي للممر الجديد.
المشروع الذي أعيد طرحه خلال زيارة وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو إلى عمّان في أبريل 2026، يقوم على إعادة تأهيل الشبكات الحديدية في سورية والأردن وربطها بالخطوط التركية القائمة، بما يتيح إنشاء ممر سككي متصل يمتد من جنوب أوروبا عبر تركيا وسورية والأردن وصولاً إلى الخليج.
وتشير البيانات التركية إلى أن المفاوضات الحالية تشمل تحديد المسارات، وتقدير الكلفة، ووضع جدول زمني للتنفيذ، مع اعتماد الربط عبر معبر الحديثة كنقطة اتصال رئيسية مع الشبكة السعودية.
يمتلك المشروع أهمية خاصة بالنسبة لسورية، إذ يعيد إدماجها في شبكة النقل الإقليمية بعد سنوات من الانقطاع، ويمنحها موقعاً محورياً في ممر تجاري دولي يربط بين أوروبا والخليج.
ويُتوقع أن ينعكس ذلك اقتصادياً عبر زيادة حركة العبور (الترانزيت)، وتنشيط الموانئ السورية، ورفع الطلب على الخدمات اللوجستية، إضافة إلى خلق بيئة أكثر جذباً للاستثمارات المرتبطة بالنقل والطاقة.
كما يشكل المشروع فرصة لإعادة تأهيل البنية التحتية السورية بدعم إقليمي، ما يعزز قدرتها على الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية.
أما سياسياً، فيُعدّ إدراج سورية ضمن مسار “الحجاز الحديث” مؤشراً على تحوّل في مقاربة دول المنطقة تجاه دورها الجغرافي، إذ يمنحها موقعاً لا يمكن تجاوزه في أي مشروع ربط بري بين تركيا والخليج.
كما يعكس توافقاً تركياً–سعودياً–أردنياً على ضرورة استقرار المسار السوري لضمان نجاح المشروع، ما يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية أوسع تتعلق بإدارة الحدود، وتأمين الخط، وتنسيق السياسات الاقتصادية المرتبطة به.
وتنظر السعودية إلى المشروع بوصفه جزءاً من توسعها اللوجستي ضمن “رؤية 2030”، إذ يعزز موقعها كمركز إقليمي للتجارة، مستفيدة من قدرات موانئها التي تجاوزت 17 مليون حاوية سنوياً وفق بيانات الهيئة العامة للموانئ. كما يتقاطع المشروع مع خطط الرياض لتطوير ممرات برية وسككية تربط الخليج بالأسواق الأوروبية عبر مسارات بديلة أكثر استقراراً.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن تشغيل هذا الممر سيُحدث تحولاً في حركة النقل الإقليمي، إذ سيتيح انتقال البضائع من أوروبا إلى الخليج خلال فترات زمنية أقصر مقارنة بالمسارات البحرية التقليدية، ويمنح تركيا موقعاً محورياً في سلاسل الإمداد العالمية.
كما يُتوقع أن يسهم المشروع في تعزيز التعاون السياسي بين الدول المعنية، نظراً لطبيعته العابرة للحدود واعتماده على تنسيق أمني وفني طويل الأمد.
وبينما تتواصل المفاوضات الفنية، تؤكد أنقرة أن المشروع يحظى بدعم سياسي واضح من الرياض وعواصم المنطقة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد وضع خارطة طريق تفصيلية تشمل التمويل، وتطوير البنية التحتية، وتحديد آليات التشغيل المشترك، في إطار رؤية مشتركة لربط المنطقة بشبكات نقل حديثة تتجاوز إرث الانقطاع الذي استمر منذ توقف خط الحجاز الأصلي خلال الحرب العالمية الأولى.
- بلال محمد الشيخ






