منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، وثّقت تقارير أممية ومنظمات حقوقية دولية وقوع أنماط متعددة من الانتهاكات الجسيمة، التي قد ترقى وفق التصنيف القانوني الدولي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفي بعض الحالات إلى أفعال مرتبطة بجريمة الإبادة الجماعية، وذلك بحسب تكييف الوقائع وتوافر نية الفاعلين. وتبرز أهمية هذا الطرح من خلال القراءة القانونية المقارنة بين هذه الجرائم كما تُفهم في إطار القانون الدولي الجنائي، وبين ما يرد في التشريع السوري، مع التركيز على مسألة جوهرية تتمثل في عدم سقوط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالتقادم في القانون الدولي، مقابل غياب التكييف الصريح لهذه الجرائم في القانون السوري الصادر عام 1949.
ووفق التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة ولجان التحقيق الدولية المستقلة، يمكن تصنيف أبرز الانتهاكات الموثقة في السياق السوري ضمن عدة أنماط رئيسية، يأتي في مقدمتها القتل الجماعي والهجمات على المدنيين، والتي شملت القصف واسع النطاق للمناطق المأهولة باستخدام المدفعية الثقيلة والصواريخ والبراميل المتفجرة، وهو ما يُصنف قانونياً ضمن جرائم الحرب باعتباره استهدافاً متعمداً للمدنيين، وقد يرتقي إلى جرائم ضد الإنسانية عندما يأتي ضمن هجوم واسع أو منهجي.
كما وثّقت تقارير دولية استخدام أسلحة كيميائية، من بينها غازات السارين والكلور، في عدة هجمات أبرزها هجوم الغوطة الكيميائي عام 2013، ويُعد ذلك انتهاكاً صارخاً لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وقد يُصنف كجريمة حرب جسيمة وفق القانون الدولي.
وفي سياق آخر، شهدت مناطق عدة، أبرزها الغوطة الشرقية ومحيط دمشق، حصارات طويلة ترافقت مع منع الغذاء والدواء، ما جعل سياسة الحصار والتجويع تُعد قانونياً جريمة حرب، كما تدخل ضمن الجرائم ضد الإنسانية عندما تُمارس بشكل ممنهج ضد المدنيين.
أما ملف التعذيب والقتل داخل مراكز الاحتجاز، فتشير تقارير حقوقية وأممية، إضافة إلى ملفات موثقة مثل صور “قيصر”، إلى وجود نمط واسع من التعذيب الممنهج الذي أدى إلى وفاة آلاف المعتقلين، وهو ما يُصنف ضمن الجرائم ضد الإنسانية، وخاصة جرائم التعذيب والقتل العمد خارج نطاق القضاء.
كذلك تُعد عمليات التهجير القسري وإعادة تشكيل البنية الديمغرافية من أبرز الانتهاكات المرتكبة، إذ إن نقل السكان قسراً من مناطقهم، سواء نتيجة العمليات العسكرية أو الاتفاقات القسرية، يُصنف كجريمة ضد الإنسانية، وقد يرتبط أيضاً بنقاشات قانونية تتعلق بمفهوم “التطهير السكاني” وفق طبيعة الوقائع والسياق.
وفيما يتعلق بالإخفاء القسري، تشير تقديرات حقوقية إلى اختفاء مئات الآلاف من الأشخاص دون معرفة مصيرهم، ويُعتبر الإخفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، لا سيما عندما يتم بشكل واسع ومنهجي وتحت غطاء سلطوي.
كما وثّقت تقارير حقوقية استخدام العنف الجنسي والاغتصاب الجماعي داخل مراكز الاحتجاز وفي سياقات الحرب، ويُصنف ذلك قانونياً كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية عندما يُستخدم كأداة ترهيب ممنهجة.
ويُحدد القانون الدولي الجنائي هذه الجرائم ضمن ثلاث فئات رئيسية، هي جرائم الحرب باعتبارها انتهاكات جسيمة لقوانين النزاعات المسلحة، والجرائم ضد الإنسانية بوصفها أفعالاً واسعة أو منهجية ضد المدنيين، إضافة إلى جريمة الإبادة الجماعية التي تتطلب توافر نية خاصة لتدمير جماعة قومية أو عرقية أو دينية كلياً أو جزئياً. وتشكل اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، إلى جانب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المرجعية الأساسية لهذا التصنيف.
وفي المقابل، فإن قانون العقوبات السوري الصادر عام 1949 لا يتضمن تعريفاً دقيقاً لجرائم الحرب كما هو معتمد في القانون الدولي، ولا يضع إطاراً شاملاً للجرائم ضد الإنسانية، كما يفتقر إلى آليات محاسبة تتوافق مع المحكمة الجنائية الدولية. وبدلاً من ذلك، تُعالج العديد من الجرائم الخطيرة ضمن توصيفات تقليدية مثل القتل والإيذاء والخطف والجرائم الواقعة على أمن الدولة، الأمر الذي يخلق فجوة واضحة بين طبيعة الانتهاكات الواسعة والمنهجية وبين التوصيف القانوني الوطني المحدود.
ويبقى السؤال الأهم: هل تسقط جرائم الحرب بالتقادم؟ في القانون الدولي، يُعد المبدأ المستقر أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية لا تسقط بالتقادم، ويستند ذلك إلى اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لعام 1968، إضافة إلى مبادئ القانون الدولي العرفي ونظام روما الأساسي، ما يعني أن مرور الزمن لا يمنع الملاحقة القضائية الدولية.
أما في القانون السوري، فإن قانون العقوبات التقليدي يتضمن قواعد تقادم للجرائم العادية، لكنه لا يعالج بشكل كافٍ الجرائم ضد الإنسانية، كما لا ينسجم مع مبدأ عدم التقادم المعتمد في القانون الدولي، وهو ما يبرز إشكالية قانونية أساسية تتمثل في التعارض بين منظومة قانونية وطنية قديمة ومنظومة دولية حديثة تقوم على مبادئ العدالة الجنائية الدولية.
غير أن الإعلان الدستوري لعام 2025 حاول سد هذه الفجوة، من خلال النص على عدم شمول التقادم للجرائم المرتكبة بحق السوريين، إلى جانب التأكيد على الالتزام بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
إن الجرائم الموثقة في سورية، بصرف النظر عن التكييف القضائي النهائي، تندرج ضمن أخطر أنماط الانتهاكات في القانون الدولي المعاصر، والفارق الجوهري بين القانون السوري والقانون الدولي لا يكمن فقط في التعريف، بل أيضاً في إمكانية المساءلة وعدم سقوط الجرائم ضد الإنسانية بالتقادم.
#المحامي





