القنيطرة وسفوح جبل الشيخ من الجولان المحتل

لم يعد الجنوب السوري مجرد جبهة حدودية بين دمشق وتل أبيب، بل أصبح ساحة للصراع على مستقبل سوريا وحدود سلطة الدولة وطبيعة الترتيبات الأمنية المحيطة بالجولان. وفي قلب هذه المعادلة تقف السويداء، حيث تتقاطع أزمة سورية داخلية ومخاوف السكان مع التنافس الإقليمي ومحاولات تحويل الوقائع الميدانية إلى أوراق ضغط سياسي. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر 2026، يتزايد التداخل بين الحسابات الانتخابية والمصالح الأمنية، بما يجعل الجنوب مساحة لتوظيف التصعيد في الداخل الإسرائيلي، وإعادة تشكيل الوقائع على الأرض في الوقت نفسه.
الاستراتيجية الإسرائيلية بين أمن الحدود وإدارة النفوذ
تتجاوز المقاربة الإسرائيلية حماية الحدود إلى منع تشكل واقع سوري أمني لا تستطيع التأثير فيه. فالمسألة تتعلق دمشق وبقدرتها على إعادة بناء مؤسساتها واستعادة السيطرة على الجنوب. وكلما بقيت المنطقة هشة ومجزأة، اتسع هامش الحركة الإسرائيلية، فيما تواجه دمشق معادلة صعبة بين استعادة السيادة وتجنب مواجهة عسكرية غير متكافئة.
السويداء بين الحماية والتوظيف الانتخابي
أحداث يوليو 2025 وما رافقها من احداث أتاح لإسرائيل تقديم تدخلاتها تحت عنوان حماية الدروز، وربط الملف السوري بعلاقاتها مع الدروز داخل إسرائيل.
ومع اقتراب الانتخابات، تكتسب هذه الورقة قيمة إضافية؛ إذ يمكن توظيفها لإظهار الحزم الأمني وتقديم القيادة الإسرائيلية باعتبارها قادرة على حماية الدروز والتأثير في مسار الأحداث السورية. تحويل معاناة السكان إلى مادة انتخابية يعني أن المصالح الأمنية مؤقتة؛ فقد يتغير الخطاب بعد الانتخابات، بينما تستمر الاستراتيجية القائمة على منع التهديدات الحدودية والاحتفاظ بأدوات الضغط داخل سوريا.
التصعيد الميداني والانتخابات.. صناعة الوقائع قبل استحقاق الحسم
لا يمكن فصل التطورات الميدانية في الجنوب عن توقيت الانتخابات الإسرائيلية، وإن كان الربط بينهما لا يعني أن كل تحرك عسكري يجري بدافع انتخابي. فالتصعيد، في هذه المرحلة، يحمل وظيفتين متداخلتين: تحقيق أهداف أمنية على الأرض، وإنتاج صورة سياسية عن الحزم والقدرة على المبادرة قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع.
توظيف ملف السويداء ضمن خطاب حماية الدروز، وتقديم تدخلاتها بوصفها استجابة لتهديدات قائمة. وهنا يصبح توقيت التصعيد جزءاً من المعادلة السياسية، حتى إن لم تكن دوافعه انتخابية حصراً.
وتكمن الخطورة في أن تتحول الوقائع التي تُفرض قبل الانتخابات إلى أوراق تفاوض يصعب التراجع عنها بعدها. فقد تتبدل حدة الخطاب مع انتهاء الاستحقاق، لكن الوجود العسكري وشبكات النفوذ والوقائع الميدانية قد تستمر، بما يضيّق هامش الخيارات أمام دمشق لذلك، لا ينبغي أن ينصب الاهتمام على ما تقوله القيادة الإسرائيلية خلال الحملة فقط، بل على ما تفعله ميدانياً، وما إذا كانت التحركات مؤقتة أم تؤسس لنفوذ طويل الأمد.
أما بعد الانتخابات، فالسؤال ليس ما إذا كان التصعيد سيتوقف تلقائياً، بل ما إذا كانت الحكومة ستواصل توسيع هامشها العسكري أم ستقبل بترتيبات أمنية متبادلة. وقد يدفع استمرار التوتر إلى تفاوض غير مباشر بشأن الانتشار العسكري ومنع الاحتكاك وضمان أمن الحدود، لكن نجاحه يتطلب معالجة أسباب الأزمة، لا الاكتفاء بإدارة التصعيد أو تثبيت نتائجه.
السويداء ودرعا والقنيطرة.. جبهة واحدة
لا يمكن فصل السويداء عن درعا والقنيطرة؛ فالقنيطرة ترتبط مباشرة بالمعادلة العسكرية للجولان، بينما تمثل درعا مساحة حساسة لأي تصعيد في الجنوب. وقد يؤدي التوتر في إحدى المحافظات إلى تعزيز الانتشار العسكري أو توسيع التدخلات في المناطق الأخرى. لذلك، فإن أي تسوية تتجاهل الترابط بين المحافظات الثلاث والسيادة السورية وأمن الحدود ستظل ناقصة وقابلة للانهيار

الجنوب السوري إلى أين؟
السويداء ليست مجرد ورقة في صندوق الانتخابات الإسرائيلية بل ورقة قابلة للتوظيف فيه؛ إنها اختبار لحدود التدخل الإسرائيلي.
إن أخطر ما في المرحلة الراهنة هو احتمال التقاء حاجات التصعيد الانتخابي مع استراتيجية فرض الوقائع الميدانية، بحيث يصبح الجنوب ساحة لإنتاج مكاسب سياسية وأمنية متبادلة على حساب استقراره. ولن يتحدد المستقبل بنتائج الانتخابات وحدها، بل بما إذا كانت الأطراف ستواصل فرض الوقائع أم ستتجه إلى ترتيبات تضمن أمن الحدود وتحمي السكان.
فالمخرج المستدام معادلة تجمع بين سيادة سوريا، وأمن سكان الجنوب، وضمانات ضد الانتهاكات، وترتيبات تمنع الاعتداء والتوسع العسكري. وما لم يتحقق هذا التوازن، سيظل الجنوب عالقاً بين سيادة مؤجلة وحماية مشروطة، وستبقى السويداء ساحة يتنازع عليها الآخرون، بينما يدفع أبناء الجنوب السوري ثمن صراع لم يختاروا أن يكونوا وقوده.

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top