تضيف تكاليف التعليم المرتفعة أعباءً جديدة على الأسر السورية مع بداية كل عام دراسي، في ظل صعوبات اقتصادية ومعيشية تدفع بعض العائلات، ولا سيما الأسر التي فقدت معيلها أو تعاني من البطالة، إلى إخراج أطفالها من المدرسة والزج بهم في سوق العمل للمساهمة في تأمين احتياجات الأسرة.
وتشمل هذه الأعباء تكاليف القرطاسية والحقائب واللباس المدرسي، إضافة إلى أجور النقل وغيرها من المصاريف المرتبطة بالتعليم، ما يجعل تأمين المستلزمات المدرسية تحدياً بالنسبة إلى أسر تعاني أساساً من تراجع قدرتها الشرائية.
وكانت وزارة التربية قد حددت في عام 2020 المتطلبات الأساسية من القرطاسية المدرسية لمختلف الصفوف، بهدف مساعدة الأهالي والمتعلمين والمعلمين والإدارات المدرسية على معرفة الاحتياجات الضرورية مع بداية العام الدراسي، الذي يتزامن عادة مع ارتفاع النفقات الأسرية.
أطفال يدخلون سوق العمل لتأمين مستلزمات الدراسة
وقال محمد الأحمد، وهو مصاب جراء الحرب وغير قادر على العمل، وأب لثمانية أطفال، سبعة منهم في سن التعليم الأساسي، لـمؤسسة جولان الإعلامية، إنه كان يقيم في مخيمات داخل تركيا، وكانت بعض المنظمات تتكفل بتأمين القرطاسية لأطفاله، إلا أن ظروفه الحالية دفعته إلى إرسال اثنين منهم إلى سوق العمل للمساهمة في تخفيف أعباء المعيشة.
وأوضح الأحمد أنه كان عنصراً منشَقاً عن وزارة الدفاع، ويتقاضى، بحسب قوله، 20 ألف ليرة سورية بالعملة الجديدة، مشيراً إلى أن تكلفة الحقيبة المدرسية تبدأ من 750 ليرة للأنواع العادية، فيما تصل إلى 1500 ليرة وما فوق للأنواع الجيدة، من دون احتساب تكاليف القرطاسية واللباس المدرسي.
وأضاف أن دخله لا يكفي لتغطية هذه النفقات، الأمر الذي دفع الأسرة إلى البحث عن مصادر دخل إضافية.
من جهته، قال الطالب عدنان الباسم، العائد من تركيا والمقيم في البحدلية بريف دمشق، لـمؤسسة جولان الإعلامية، إنه يتيم ويعيش لدى جدته ويدرس في الصف الثامن، ولم يتمكن من الحصول على مساعدات من الجمعيات بسبب عدم امتلاكه أوراقاً ثبوتية قانونية، بحسب قوله.
وأضاف الباسم أن الظروف المادية دفعته إلى العمل خلال فصل الصيف في محل لبيع الفروج لتأمين احتياجاته المدرسية، موضحاً أن الحقيبة والقرطاسية كلفتاه نحو 2500 ليرة، فيما يحتاج إلى نحو 1500 ليرة لشراء حذاء، ولم يتمكن حتى الآن من شراء اللباس المدرسي بعد نفاد المبلغ الذي جمعه من عمله.
الفقر والنزوح من أبرز أسباب التسرب
تتعدد أسباب التسرب من التعليم في سوريا، وترتبط بجملة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، يأتي في مقدمتها الفقر وعدم قدرة بعض الأسر على تأمين المستلزمات المدرسية وأجور النقل، إضافة إلى النزوح المتكرر والتهجير وعدم الاستقرار.
وقال عبد الكريم المحمد، القادم من دير الزور والمقيم في شبعا، لـمؤسسة جولان الإعلامية، إن النزوح المتكرر واضطراره إلى البحث عن العمل لتأمين احتياجات أسرته أثرا في تعليم أبنائه، ودفعا بعضهم إلى سوق العمل في سن مبكرة.
وأضاف أن ابنه محمد، البالغ من العمر تسع سنوات، يعمل على صهريج للمياه ويتقاضى، بحسب قوله، 200 ليرة يومياً مقابل العمل طوال اليوم.
وأشار المحمد إلى أن أطفاله تعرضوا للتنمر والعنف في المدارس بسبب عدم تناسب أعمارهم مع الصفوف التي أُلحقوا بها، موضحاً أن هذه الظروف دفعته إلى إخراجهم من المدرسة خوفاً على سلامتهم النفسية والجسدية.
البنية التعليمية والتحديات النفسية
أثرت سنوات الحرب في البنية التحتية التعليمية في عدد من المناطق السورية، مع تضرر مدارس وخروج أخرى عن الخدمة، الأمر الذي صعّب وصول بعض الأطفال إلى التعليم، ولا سيما في المناطق التي تفتقر إلى مدارس قريبة أو وسائل نقل مناسبة.
كما ساهم نقص الكوادر التعليمية في بعض المناطق في زيادة التحديات التي تواجه العملية التعليمية.
ويرى معلم تحدث لـمؤسسة جولان الإعلامية أن الجانب النفسي يمثل عاملاً مهماً في استمرار الأطفال في التعليم، مشيراً إلى تعرض بعض الطلاب للتنمر من أقرانهم، وأحياناً إلى ممارسات غير مناسبة من بعض المعلمين تجاه الأطفال القادمين من مناطق أخرى.
وأوضح أن هذه الظروف قد تدفع بعض الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنزل خشية تعرضهم للتنمر أو العنف، ما يزيد من احتمالات انقطاعهم عن التعليم.
الحاجة إلى حلول عاجلة
تحتاج معالجة التسرب من التعليم وعمالة الأطفال إلى إجراءات تتعامل مع الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأسر إلى إخراج أبنائها من المدارس، إلى جانب توفير بيئة تعليمية آمنة ومناسبة.
ويشمل ذلك دعم الأسر الأكثر احتياجاً، وتأمين المستلزمات المدرسية والنقل، وتوفير برامج لإعادة الأطفال المتسربين إلى التعليم، إلى جانب معالجة الآثار النفسية التي خلفتها سنوات الحرب والنزوح.
كما يتطلب تحسين العملية التعليمية دعم البنية التحتية للمدارس، وتأمين كوادر تعليمية مؤهلة، وتطوير المناهج والبرامج التعليمية بما يتناسب مع احتياجات الطلاب، مع توفير برامج خاصة للأطفال ذوي الإعاقة والفئات الأكثر هشاشة.
وفي ظل ارتفاع تكاليف المستلزمات المدرسية، يمكن أن يشكل تحديد الاحتياجات الأساسية لكل مرحلة دراسية خطوة تساعد الأسر على معرفة المتطلبات الضرورية وتقليل النفقات غير الضرورية، إلى جانب توسيع برامج الدعم التي تقدمها الجهات الحكومية والمنظمات الدولية المعنية بالتعليم وحماية الطفولة.
وتبقى إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة مرتبطة بقدرة الجهات المعنية على معالجة الظروف التي تدفعهم إلى سوق العمل، وتوفير الحماية والدعم للأسر الأكثر تضرراً، بما يحد من التسرب المدرسي ويقلل من عمالة الأطفال.
- جهان الخلف














