آليات وجرافات إسرائيلية في ريف القنيطرة خاص مؤسسة جولان

تقارير إسرائيلية حديثة تكشف تعثر مفاوضات الاتفاق الأمني مع دمشق، وسط خلاف على المنطقة العازلة وتقديرات بشأن إعادة بناء الجيش السوري.

تكشف سلسلة تقارير نشرتها صحف إسرائيلية بارزة خلال الأسابيع الأخيرة عن تعقد متزايد في مسار التفاوض على اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب، بعدما تحوّل الخلاف من مجرد استئناف الحوار إلى نزاع حول شروط الاتفاق نفسه. فبينما تربط مصادر أمنية إسرائيلية، بحسب صحيفة “جيروزاليم بوست”، تراجع الحافز السوري بتخفيف العقوبات الدولية عن دمشق وتوسع علاقاتها الإقليمية، تؤكد دمشق أن باب التسوية ما زال مفتوحاً، وأن المشكلة تكمن في استمرار الضربات الإسرائيلية وعدم تنفيذ تفاهمات سابقة تم التوصل إليها بين الجانبين.

يأتي هذا التطور في وقت تتحدث فيه أحدث التقارير الإسرائيلية، الصادرة في 18 أيلول/سبتمبر، عن تقديرات أمنية تفيد بأن الرئيس السوري “أحمد الشرع” يوجّه موارد الدولة نحو بناء جيش نظامي كبير والحصول على منظومات تسليح، في مقاربة تصفها الصحيفة بأنها مصدر قلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

خلاف حول “المنطقة العازلة” يعرقل استئناف المفاوضات

بحسب مسؤول إسرائيلي تحدث إلى “جيروزاليم بوست”، فإن المحاولة الأخيرة لاستئناف المفاوضات تعثرت تحديداً بسبب الخلاف على مصير “المنطقة العازلة” في هضبة الجولان. ووفق الرواية الإسرائيلية، لا ترى تل أبيب ضرورة لتضمين الاتفاق الأمني انسحاباً لقواتها من المنطقة التي تعتبرها “أصلاً أمنياً”، في حين تصرّ دمشق على انسحاب إسرائيلي كامل والعودة إلى ترتيبات اتفاق فض الاشتباك الموقّع عام 1974.

في المقابل، قدّم وزير الخارجية السوري “أسعد الشيباني” رواية مغايرة في مقابلة مع وكالة “رويترز” بتاريخ 23 آب/أغسطس، إذ قال إن المفاوضات “مجمدة لكنها يفترض أن تستأنف”، مؤكداً أن دمشق تريد اتفاقاً يؤدي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام الأسد، وأن الأولوية السورية هي وقف الضربات والتوغلات قبل الانتقال إلى ملفات أوسع.

وأضاف “الشيباني” أن الجانبين توصلا سابقاً إلى تفاهمات مكتوبة بشأن معظم عناصر الاتفاق، لكنه اتهم إسرائيل بعدم تنفيذ ما تم التوصل إليه وعدم إظهار إرادة حقيقية للوصول إلى تسوية. وبذلك تظهر فجوة واضحة بين روايتين متعارضتين: تتحدث إسرائيل عن تراجع الحافز السوري وخلاف تقني حول ترتيبات المنطقة العازلة، بينما تتحدث دمشق عن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وعدم الالتزام بما اتُّفق عليه سابقاً.

رفع العقوبات غيّر موقع دمشق التفاوضي

من العوامل التي تكررت في التقارير الإسرائيلية، ربط المسؤول الذي تحدث إلى “جيروزاليم بوست” مباشرة بين تخفيف العقوبات الدولية المفروضة على سوريا وتراجع الدافع السوري للتوصل إلى اتفاق سريع. ووفق هذه القراءة الإسرائيلية، لم تعد دمشق تنظر إلى الاتفاق الأمني باعتباره الطريق الوحيد نحو انفراج سياسي واقتصادي.

بالتوازي، اتسعت علاقات دمشق الخارجية بصورة ملحوظة، سواء مع دول عربية أو مع تركيا. وأشارت “جيروزاليم بوست”، في تقرير نُشر في 15 أيلول/سبتمبر، إلى توقيع عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين المؤسسات السورية والتركية، معتبرة أن هذا التقارب يثير اهتماماً متزايداً داخل الأوساط الإسرائيلية، لا سيما مع تنامي الدور التركي في الملف السوري.

تقديرات إسرائيلية: دمشق تعيد بناء جيشها النظامي

يضيف التقرير الإسرائيلي الأحدث، المنشور في 18 أيلول/سبتمبر، بعداً جديداً إلى النقاش الدائر حول مستقبل الاتفاق الأمني. فبحسب “جيروزاليم بوست”، تشير تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أن دمشق تعمل على إعادة بناء جيش نظامي والحصول على أنظمة تسليح، وهي عملية تعتبرها مصادر الصحيفة مصدر قلق متصاعد بالنسبة إلى إسرائيل.

وتذهب المصادر ذاتها، بحسب الصحيفة، إلى أن إسرائيل أضاعت فرصة للتوصل إلى اتفاق حين كانت الحكومة السورية في وضع أضعف خلال المرحلة الأولى عقب سقوط النظام السابق. ولا بد من التوضيح هنا أن هذا التقييم منسوب حصراً إلى مصادر أمنية إسرائيلية، وليس معطى مستقلاً يمكن التحقق منه بشكل منفصل عن السياق الذي نقلته الصحيفة.

كما نقل التقرير عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله إن “أحمد الشرع” يسعى إلى بناء سوريا “كقوة إقليمية”، مع الحفاظ على علاقات مفتوحة في اتجاهات متعددة في آن واحد. وتكمن نقطة الانتباه هنا في أن مصدر القلق الإسرائيلي، وفق هذه التقارير، لا يقتصر على القدرات العسكرية السورية الحالية، بل يمتد إلى المسار الذي تسلكه دمشق في إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش وشبكة علاقاتها الإقليمية.

تركيا تدخل على خط الحسابات الإسرائيلية

تحوّلت العلاقة السورية التركية إلى أحد الملفات المتشابكة مع مسار التفاوض السوري الإسرائيلي. فقد أكد “الشيباني” في تصريحاته لـ”رويترز”، عقب الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور في آب/أغسطس، أن تركيا تقدّم لدمشق دعماً في مجالات التدريب والخبرة العسكرية، وأن سوريا “لن تتخلى عن هذا الدعم”.

في المقابل، عبّرت إسرائيل عن قلقها من احتمال توسع الوجود العسكري التركي داخل الأراضي السورية. وفي واقعة قاعدة أبو الظهور تحديداً، قالت إسرائيل إن القاعدة كانت على وشك استقبال قوات تركية، في حين نفت كل من أنقرة ودمشق وجود أي خطة لإنشاء قاعدة عسكرية تركية هناك، مؤكدتين أن التعاون بينهما يقتصر على التدريب وتبادل الخبرات العسكرية. وبذلك لم يعد الاتفاق الأمني السوري الإسرائيلي منفصلاً عن سؤال إضافي يتعلق بحدود الدور التركي المستقبلي في سوريا بعد إعادة بناء مؤسسات الدولة.

دمشق: لم نغلق باب التسوية

رغم حدة الخلاف الظاهر في الروايتين، لا تشير التصريحات السورية الرسمية إلى انسحاب دمشق من المسار الدبلوماسي. ففي الأول من أيلول/سبتمبر، أكد “الشيباني” أن دمشق ما زالت تعمل على التوصل إلى حل دبلوماسي مع إسرائيل بوساطة أميركية، رغم استمرار الضربات والتوغلات الإسرائيلية. وأوضح أن المفاوضات تهدف إلى وقف الهجمات والاعتقالات والعودة إلى المواقع التي كانت قائمة قبل نهاية عام 2024، مع الالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

كما جدد “الشيباني” في تصريحاته بتاريخ 23 آب/أغسطس تأكيده أن دمشق تتوقع استئناف المفاوضات قريباً، وأنها “ما زالت تمد يدها” نحو التفاهم والحل الدبلوماسي، رغم إقراره بأن “الثقة بإسرائيل غير موجودة حالياً”. وعليه، فإن وصف الموقف السوري بأنه “تخلٍّ عن الاتفاق” لا تدعمه التصريحات الرسمية المعلنة حتى الآن؛ إذ يبدو الأدق أن مسار التفاوض أصبح مشروطاً بملفات أكثر تعقيداً: الانسحاب الإسرائيلي، ترتيبات المنطقة العازلة، إعادة بناء الجيش السوري، حدود الدور التركي، والضمانات الأمنية المتبادلة.

واشنطن تحاول ضبط الإيقاع

وسط هذا التعقيد المتصاعد، لا تزال الولايات المتحدة حاضرة في محاولة منع تحول الخلاف إلى مواجهة مفتوحة. وقال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا “توم باراك” إن واشنطن تعمل على آلية لمنع الاحتكاك بين سوريا وإسرائيل وتركيا، في وقت أكدت فيه دمشق وتل أبيب استمرار قنوات الاتصال بينهما بصورة مباشرة وغير مباشرة.

غير أن نجاح هذه الآلية الأميركية يبقى مرهوناً بقدرة الأطراف الثلاثة على معالجة الملفات التي عطّلت الاتفاق سابقاً، وفي مقدمتها الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، ومستقبل ترتيبات المنطقة العازلة، وحجم القوات السورية المسموح بها، وحدود الدور التركي في المرحلة المقبلة.

مفاوضات أمام اختبار جديد

تُظهر أحدث التقارير الإسرائيلية تحولاً ملموساً في نظرة دوائر الأمن والسياسة في إسرائيل إلى سوريا خلال الأشهر الماضية. فبدلاً من التعامل مع دمشق كطرف يسعى بصورة عاجلة إلى اتفاق أمني، بدأت تلك التقارير تتحدث عن سوريا تعمل على توسيع علاقاتها الدولية وإعادة بناء مؤسساتها وقدراتها العسكرية بصورة متزامنة، وهو ما تعتبره تلك المصادر عاملاً يزيد من تعقيد أي تفاوض مستقبلي.

في المقابل، لا يعني ذلك أن دمشق أغلقت باب التسوية؛ إذ تؤكد تصريحاتها الأخيرة استمرار الرهان على المسار الدبلوماسي، مشروطاً بانسحاب القوات الإسرائيلية ووقف التوغلات والعودة إلى ترتيبات عام 1974. وبين تمسك إسرائيل بـ”أمنها” واحتفاظها بالمنطقة العازلة، وإصرار دمشق على استعادة سيادتها الكاملة وإعادة بناء قدراتها العسكرية، تقف المفاوضات الأمنية بين البلدين أمام اختبار جديد: هل يمكن التوصل إلى ترتيب أمني مع سوريا التي باتت أقل عزلة وأكثر ارتباطاً بمحيطها الإقليمي، أم أن اتساع هامش المناورة أمام دمشق سيجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة؟

  • محمد جابر

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top