ثمة سؤال يستحق أن يُطرح بصوت عالٍ قبل أن يُطرح أي سؤال آخر عن مستقبل سوريا: هل قامت الثورة من أجل أن يستبدل السوري قيدًا بقيد، وتصنيفًا بتصنيف آخر؟ لقد خرج الناس عام 2011 يهتفون ضد نظام صنّف مواطنيه إلى درجات: موالٍ يُكافَأ، ومعارض يعاقب، وريفي يُستخدَم وقودًا أمنيًا، ومدينيٌّ يُستَرضى اقتصاديًا كي يبقى صامتًا. سقط ذلك النظام أخيرًا، لكن يبدو أن كثيرين من أبناء الثورة نفسها، ومن غير أبنائها أيضًا، لم يسقطوا من داخلهم المنطق الذي قامت الثورة أصلًا لإسقاطه.
الثورة، في جوهرها الفلسفي والنفسي، ليست فعل غضب عابر، إنها لحظة إعادة تعريف للعلاقة بين الفرد والدولة، وبين الفرد وأخيه المواطن. الأدبيات التي تناولت سيكولوجيا الثورات، من التحليلات الكلاسيكية لغوستاف لوبون عن نفسية الجماهير، إلى الكتابات الحديثة عن “أدب الثورة” وما يحمله من رمزية التحرر والانعتاق، تتفق على نقطة جوهرية: الثورة الحقيقية تُنتج وعيًا جديدًا بالانتماء المشترك، وليس وعيًا جديدًا بالتفوّق. حين يتحول المنتصر، أو من يظن نفسه منتصرًا، إلى ناسخ لسلوك من قاتله بالأمس، فإن الثورة تكون قد انتصرت على النظام، وخسرت أمام نفسها.
وهنا تكمن المفارقة السورية المؤلمة اليوم. فبدل أن يُبنى العقد الاجتماعي الجديد على أساس المواطنة المتساوية، حيث يحق لكل سوري أن يذهب حيث يشاء، ويسكن حيث يشاء، ويعمل أينما وجد فرصة، في وطنه هو، دون أن يُسأل من أي ريف أتى أو أي مدينة يمثّل، نجد أن خطابًا مناطقيًا بغيضًا بدأ يتصدّر المشهد. أبناء بعض المدن الكبرى يستكثرون على أبناء أريافها أن يُقيموا بينهم أو يتحدثوا بلهجتهم أو يطمحوا إلى فرصهم. وأبناء مدن أخرى يُتَّهمون بالخيانة أو “قلة الأصل” لمجرد أنهم من محافظة بعينها.
وبين هذا وذاك، تحوّل السؤال عن “من أنت؟” من سؤال فضولي إلى أداة فرز واستبعاد، تمامًا كما كان النظام البائد يستخدم الهوية الأمنية لتصنيف الناس إلى نافع ومؤذٍ.
الأخطر من ذلك هو ازدواجية المعايير في التعامل مع من أيّد القمع. فمن المنطقي، حتى إنه من الواجب الأخلاقي، أن يُسأل من شارك في آلة القتل عن دوره، وأن يُحاسَب من ثبت تورطه بجريمة. غير أن العدالة الانتقالية شيء، والتنمّر الجماعي المُعمَّم شيء آخر تمامًا. فحين يتحول “البعثي” أو “المؤيد السابق” إلى وصمة أبدية تُلاحق كل من يحمل اسم عائلة أو انتماء جغرافي معين، بصرف النظر عن موقفه الفعلي، فإن العدالة تتحول إلى انتقام، والمساءلة تتحول إلى عصبية جديدة. والثورة التي قامت أصلًا احتجاجًا على الظلم الجماعي (أو احتجاجًا على أن يُعاقَب الأبناء بذنوب لم يقترفوها) لا يجوز أن تعيد إنتاج المنطق نفسه بحق فئة أخرى، وإن اختلف الاسم والعنوان.
والأنكى من هذا كله أن الطرفين، في هذا الشد المتبادل للحبل، يتقاسمان الوقاحة ذاتها: من يتنمّر باسم “أصالة المدينة”، ومن يتشفّى باسم “نقاء الثورة”، كلاهما يمارس الإقصاء بلغة مختلفة وجوهر واحد. وهذه ليست ظاهرة على الهامش يمكن التغاضي عنها بحجة أنها أصوات متطرفة على هامش المجتمع، فالهوامش حين تتكرر وتتمدد على منصات التواصل والخطاب اليومي، تتحول إلى تيار يُشكّل الوعي العام، خصوصًا لدى جيل لم يعرف من الدولة سوى صورتها المتشظية.
الدول التي تحترم أفرادها، تلك التي ننشد اللحاق بمصافّها، لم تُبنَ يومًا على معيار “من أين أتيت؟”؛ معيارها الوحيد كان دائمًا “ماذا تفعل؟ وما التزامك تجاه القانون والمجتمع؟”. المواطنة، بمعناها الحديث، هي عقد يساوي بين الفلاح والمثقف، وبين ابن القرية وابن العاصمة، وبين من عاش الحصار وبين من لم يعرفه، لأن الانتماء للوطن لا يُقاس بمسافة الجغرافيا من مركز القرار، إنما يُقاس بالحقوق والواجبات المتبادلة بين الدولة والمواطن.
وأي محاولة لإحياء “درجات المواطنة”، سواء تحت شعار الأصالة الحضرية أو تحت شعار نقاء الثورة، هي في جوهرها استمرار لمنهج الاستبداد الذي استخدم التقسيم الجغرافي والطائفي أداة حكم لعقود، حين رُكّزت الخدمات والفرص في مدن بعينها، بينما تُرك الريف مرتعًا للفقر والتهميش والاستنزاف الأمني.
سوريا اليوم أمام مفترق حقيقي: إما أن تُستثمر لحظة ما بعد الاستبداد لبناء هوية وطنية جامعة تتجاوز منطق “نحن” و”هم” بكل تلاوينه المناطقية والحزبية، أو أن يُعاد تدوير الانقسام بثوب جديد، فيخسر السوريون فرصة تاريخية نادرًا ما تتكرر. والفارق بين المسارين لا يُحسم في القصور والمؤسسات وحدها، يُحسم أولًا وقبل كل شيء: في الخطاب اليومي، وفي تلك التعليقات على منصات التواصل، وفي تلك النظرة الفوقية التي يُقابَل بها القادم من ريف أو من محافظة “أقل حظًا”، وفي ذلك الصمت المريب حين يُهان إنسان بسبب لكنته أو مسقط رأسه.
الثورة الحقيقية تُقاس بما يبنيه الناس بعدها. وإذا كان جوهر الانتفاض على الظلم هو رفض أن يُختزل الإنسان إلى فئة أو تصنيف، فإن أول اختبار لصدق تلك الثورة هو أن يرفض أبناؤها، جميعًا، ممارسة الإقصاء ذاته الذي ثاروا من أجل إسقاطه، أيا كان الاسم الذي يُختبأ خلفه: مدينة، أو ريفًا، أو حزبًا، أو حتى الثورة نفسها.






