بشار الأسد الرئيس المخلوع المصدر ( الجزيرة)

في أروقة العدالة الدولية ومحافل القانون الجنائي، لا تُقاس قيمة الأحكام والاتهامات بمدى غلظة العقوبة البدنية المقررة بحق المتهم فحسب، بل بالوزن الأخلاقي، السياسي، والتاريخي للتهمة الموجهة إليه. ومع استمرار التحركات الحقوقية الدولية والدعاوى القضائية المرفوعة في عواصم أوروبية عدة لملاحقة أركان النظام البائد، يبرز تساؤل جوهري يشغل أوساط القانونيين والسياسيين على حد سواء: هل يكفي توصيف الجرائم المرتكبة في سوريا منذ عام 2011 بأنها “قتل عمد متعدد لعدة أشخاص”، أم أن العدالة والتوثيق التاريخي يتطلبان انتزاع إدانة صريحة بتهمة “الإبادة الجماعية”؟
المقاربة القانونية والسياسية الدقيقة تؤكد أن تجريم رأس النظام البائد بشار الأسد بتهمة الإبادة الجماعية يحمل أبعاداً استراتيجية تتفوق بمراحل على ملاحقته بجناية “القتل العمد”، حتى وإن كانت العقوبة في كلتا الحالتين قد تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام (وفق القانون السوري). هذا التفوق ينبع من طبيعة الجريمة الدولية وأثرها الممتد عبر الأجيال.
أولاً: صك “جريمة الجرائم” والوزن التاريخي
تُصنف الإبادة الجماعية في أدبيات القانون الدولي بأنها “جريمة الجرائم”؛ وهي التهمة الأشد خطورة في القانون الدولي الإنساني. بينما يركز القتل العمد على إزهاق أرواح أفراد بصفتهم الشخصية، فإن الإبادة الجماعية تتطلب إثبات “النية الخاصة” للتدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية، إثنية، عرقية، أو دينية.
إن إدانة رأس النظام البائد بهذا التوصيف تحديداً لا تعني معاقبته كمجرم جنائي عادي، بل تضعه في ذات المصاف التاريخي الأسود مع مرتكبي الهولوكوست النازي وإبادة رواندا وسربرنيتسا. هذا التوصيف القانوني يحرم النظام، وأي وريث سياسي له، من أي فرصة مستقبيلية لإعادة التدوير السياسي أو القبول الدولي، حيث يتحول إلى نظام “منبوذ ومحرم” وفقاً للأعراف الدولية.
ثانياً: تفكيك بنية النظام وإلغاء ذريعة “الأخطاء الفردية”
من الناحية الإجرائية، فإن محاكمة أي رئيس دولة بتهمة “القتل العمد” قد تفتح ثغرات لفريق الدفاع للادعاء بأن التجاوزات والانتهاكات التي أدت لمقتل المدنيين كانت “تصرفات فردية” غير مسؤولة صادرة عن ضباط ميدانيين، أو أنها “أخطاء حرب” وتجاوزات لخطوط الاشتباك في ظل فوضى السلاح.
في المقابل، تقتضي تهمة الإبادة الجماعية إثبات وجود خطة سياساتية ممنهجة، واسعة النطاق، وموجهة من أعلى هرم السلطة لتصفية أو تهجير أو سحق مجتمعات محددة بناءً على هويتها أو موقفها الجمعي. استخدام السلاح الكيماوي في غوطة دمشق وخان شيخون، سياسة الحصار والتجويع الطويل للمدن (مثل حمص وحلب ومضايا)، والاعتقال التعسفي والتعذيب الممنهج في مسالخ بشرية كصيدنايا، كلها أدلة لا يمكن تصنيفها كأخطاء فردية، بل كسياسة دولة. تهمة الإبادة تربط هذه الجرائم مباشرة بكرسي الرئاسة ومكتب القائد العام للجيش والقوات المسلحة، مما يمنع الأسد من التملص من المسؤولية الجنائية القيادية.
ثالثاً: تحصين القضية ضد التقادم والتسويات السياسية
تخضع الجرائم المحلية والوطنية، بما فيها القتل العمد، في كثير من الأنظمة القانونية لمدد تقادم معينة تسقط بعدها الدعوى، أو قد تشملها اتفاقيات عفو عام وإجراءات مصالحة وطنية في إطار التسويات والصفقات السياسية التي تلي الحروب.
أما الإبادة الجماعية، فهي جريمة تحكمها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهي من القواعد الآمرة في القانون الدولي . هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم مهما طال الزمن، ولا تملك أي حكومة سورية مستقبلية، أو أي صفقة سلام دولية، الحق القانوني في إسقاطها أو منح عفو عام عن مرتكبيها. الإدانة بها تعني بقاء الملاحقة سيفاً مسلطاً على رقاب الجناة مدى الحياة.
رابعاً: تفعيل الالتزام الدولي الصارم بالملاحقة
بموجب القانون الدولي، فإن جريمة القتل العمد تظل اختصاصاً قضائياً داخلياً للدولة المعنية في المقام الأول، ولا تفرض التزامات قانونية تلقائية على الدول الأخرى للتدخل. أما توصيف “الإبادة الجماعية” فيرتب التزاماً قانونياً وأخلاقياً صارماً على جميع الدول الموقعة على اتفاقية 1948 بـ “منع الجريمة والمعاقبة عليها”.
هذا التوصيف ينقل القضية السورية من إطار “النزاع الداخلي” إلى إطار “المسؤولية الدولية لحماية المدنيين”. تجريم الأسد بالإبادة الجماعية يرفع الغطاء السياسي والقانوني عنه تماماً، ويمنع الدول من حمايته و استضافته، حيث تصبح أي دولة تفعل ذلك في حالة خرق صريح لالتزاماتها الدولية، مما يعزز العزلة القانونية الشاملة للنظام البائد.
خامساً: الإنصاف الرمزي وحماية الذاكرة الجماعية السورية
العدالة لا تقتصر على معاقبة الجاني داخل زنزانة، بل تمتد لتشمل الاعتراف بحجم المعاناة التي عاشها الضحايا. إن وصف ما تعرض له الشعب السوري بأنه “قتل عمد لعدة أشخاص” يختزل كارثة إنسانية دمرت مدناً بكاملها وهجّرت نصف السكان إلى مجرد أرقام في ملف جنائي.
إن إطلاق وصف “الإبادة الجماعية” يعيد الاعتبار الرمزي والتاريخي للمجتمعات المحلية التي استُهدفت بالقتل والتهجير. هذا التوصيف القانوني الدقيق هو الحصن الذي يحمي الذاكرة الجماعية السورية من محاولات التزييف، ويمنع أي سرديات مستقبلية تحاول تصوير المأساة كـ “حرب أهلية متكافئة” تساوى فيها الضحية بالجلاد، بل يوثقها كعملية سحق ممنهجة أدارتها سلطة الدولة ضد مجتمعها.

إن الإصرار الحقوقي والسوري على ملاحقة رأس النظام البائد بتهمة الإبادة الجماعية ليس تزييداً لغوياً أو بحثاً عن مصطلحات رنانة، بل هو ضرورة قانونية واستراتيجية فرزتها طبيعة الجرائم المرتكبة. إنها الضمانة الوحيدة لعدم الإفلات من العقاب، وبناء مستقبل سوري قائم على عدالة حقيقية لا مساومة فيها، لتوثيق أن ما جرى في سوريا كان محاولة إبادة لنداء الحرية والكرامه

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top