لا تبدو جولة أعضاء مجلس الشعب في مديرية الصحة ومستشفى الجولان الوطني مجرد زيارة تفقدية للوقوف على واقع القطاع الصحي، بل تأتي ضمن حراك إداري أوسع تشهده محافظة القنيطرة، عنوانه إعادة تفعيل المؤسسات، مراجعة أداء المديريات، ودفع الكفاءات الجديدة إلى مواقع العمل الإداري، في محاولة لمعالجة تراكمات سنوات من ضعف الخدمات والنقص في الكوادر والإمكانات، والفساد الإداري.
وخلال جولة ميدانية شملت مديرية الصحة ومستشفى الجولان الوطني، اطّلع أعضاء مجلس الشعب في المحافظة على سير العمل وأبرز الاحتياجات والصعوبات التي تواجه القطاع الصحي، وبحثوا مع المعنيين الإجراءات المطلوبة لتحسين مستوى الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين.
وشارك في الجولة مدير صحة القنيطرة الدكتور حمدي غباغبي، الذي كُلّف بإدارة مديرية الصحة قبل نحو شهر، في خطوة جاءت بمساعي من محافظ القنيطرة غسان السيد أحمد، ضمن توجه المحافظة لإعادة تنشيط العمل المؤسساتي والاستفادة من الكفاءات والخبرات في إدارة القطاعات الخدمية.
الصحة في مقدمة الملفات
القطاع الصحي يمثل أحد أبرز الملفات الخدمية التي تحتاج إلى معالجة في القنيطرة، في ظل وجود مشفى حكومي واحد على أرض المحافظة، إلى جانب نقص النقاط الطبية والكوادر، ولا سيما في الريفين الشمالي والجنوبي، الأمر الذي يفرض أعباء إضافية على المواطنين للوصول إلى الخدمات الطبية.
وخلال الجولة، ناقش أعضاء مجلس الشعب مع مدير الصحة وإدارة مستشفى الجولان الوطني واقع الخدمات الصحية، والاحتياجات الفنية والإدارية، والأولويات التي يمكن العمل عليها لرفع كفاءة القطاع وتوسيع نطاق الخدمات المتاحة للسكان.
وقال عضو مجلس الشعب الدكتور “طارق ذياب” في تصريح خاص لـ”مؤسسة جولان” إن الجولة هدفت إلى الاطلاع على عمل عدد من المديريات والمؤسسات، والتعرف إلى أبرز المشكلات والعقبات، والبحث في كيفية المساهمة في حلها.
وأوضح “ذياب” أن الجولة بدأت من مديرية الصحة ومستشفى الجولان، حيث جرى لقاء مدير الصحة ومدير المستشفى ومناقشة الواقع الصحي في المحافظة وسبل الارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مشيراً إلى الاتفاق على تعزيز التنسيق وزيادة الزيارات التفقدية ومتابعة تطورات القطاع الصحي بصورة مستمرة.
إعادة بناء الإدارة من الداخل
ولا يقتصر الحراك الإداري في المحافظة على القطاع الصحي، إذ شملت الجولة أيضاً مديرية التربية، حيث ناقش أعضاء المجلس نتائج امتحانات الثانوية العامة، وبحثوا في مواطن الخلل والقصور التي ظهرت خلال العملية التعليمية وسبل تلافيها مستقبلاً.
كما انتقل الوفد إلى مديرية المالية، وناقش مع مسؤوليها القوانين والأنظمة المالية التي ترى المديرية حاجة إلى تطويرها وتعديلها بما يخدم المحافظة والمصلحة العامة.
وشملت الجولة كذلك مديرية الاستثمار، التي أُنشئت حديثاً في المحافظة، حيث اطّلع أعضاء المجلس على نشاطها والجهود المبذولة لجذب الاستثمارات والعمل على تذليل العقبات أمام المستثمرين.
وتعكس هذه الجولة اتجاهاً نحو ربط المتابعة البرلمانية بالعمل التنفيذي على الأرض، بدلاً من الاكتفاء بالاجتماعات الرسمية، مع التركيز على الاستماع إلى احتياجات المديريات ومراجعة أدائها والبحث عن حلول عملية للمشكلات القائمة.
رهان المحافظ على الكفاءة
ويأتي ذلك في وقت يعمل فيه محافظ القنيطرة “غسان السيد أحمد” على إعادة هيكلة العمل الإداري وتفعيل المؤسسات الخدمية، من خلال إدخال كفاءات جديدة إلى مفاصل الإدارة وإعادة النظر في آليات العمل داخل المديريات، بما ينسجم مع حاجات المحافظة.
وتبرز تجربة تكليف الدكتور حمدي غباغبي بإدارة مديرية الصحة نموذجاً لهذا التوجه، خصوصاً أن القطاع الصحي من أكثر القطاعات احتياجاً إلى الخبرات الإدارية والطبية القادرة على التعامل مع نقص الإمكانات والكوادر وتوزع التجمعات السكانية في المحافظة.
غير أن إعادة ترتيب الجهاز الإداري لا تبدو كافية وحدها لمعالجة المشكلات المتراكمة؛ فنجاح هذه الخطوات سيبقى مرتبطاً بقدرة المديريات على تحويل التغييرات الإدارية إلى نتائج ملموسة، وتأمين الموارد اللازمة، ووضع خطط واضحة لتحسين الخدمات.

من تغيير الأسماء إلى تغيير الأداء
وتواجه القنيطرة تحدياً مزدوجاً: إعادة بناء مؤسساتها من جهة، ومعالجة نقص الخدمات والإمكانات من جهة أخرى. لذلك فإن ضخ كفاءات جديدة في مواقع المسؤولية يمكن أن يشكل بداية لمسار إصلاحي، لكن معيار نجاحه سيبقى في مستوى الخدمات التي تصل إلى المواطنين.
وبالنسبة للقطاع الصحي تحديداً، تبدو الأولويات أكثر إلحاحاً، بدءاً من تعزيز الكوادر والنقاط الطبية في المناطق البعيدة، مروراً بدعم مستشفى الجولان الوطني، وصولاً إلى توسيع القدرة الاستيعابية للخدمات الصحية داخل المحافظة.
وفي هذا السياق، تبدو الجولات الميدانية التي تشهدها المحافظة جزءاً من محاولة أوسع لانتقال الإدارة من إدارة الملفات المتراكمة إلى إدارة المشكلات على الأرض، وهي مهمة سيكون اختبارها الحقيقي في قدرة المؤسسات على استعادة دورها وتحسين حياة المواطنين، لا في عدد الاجتماعات والزيارات التي تُجرى.

- محمد جابر






