تعرّضت مدينة أفاميا خلال سنوات الحرب في سوريا لعمليات تدمير ونهب واسعة النطاق، شملت حفرًا عشوائيًا باستخدام جرافات وآليات ثقيلة استهدفت طبقاتها الأثرية، إضافة إلى سرقة وتهريب أجزاء من الفسيفساء وتخريب أجزاء من الشارع الرئيسي الشهير المعروف بـ“شارع الأعمدة”. وقد وثّقت تقارير صحفية وأثرية أن الموقع كان من أكثر المواقع تضرراً ضمن ما يزيد عن 290 موقعاً أثرياً تضررت في سوريا خلال الحرب.
كما أكدت مديرية الآثار السورية وتقارير ميدانية أن ما يُعرف بـ“شارع الأعمدة” تعرّض لاعتداءات كبيرة أدت إلى تراجع عدد أعمدته من نحو 1200 عمود إلى أقل من نصف ذلك، نتيجة عمليات النهب والحفر غير الشرعي.
مدينة تأسست في قلب التحولات الهلنستية والرومانية
تعود أفاميا إلى بدايات القرن الثالث قبل الميلاد عندما أعاد القائد السلوقي سلوقس الأول نيكاتور تأسيسها وتوسيعها، وأطلق عليها اسم زوجته “أباما”، لتصبح لاحقاً إحدى أهم مدن الدولة السلوقية إلى جانب أنطاكية.
وفي عام 64 قبل الميلاد، دخلت أفاميا تحت السيطرة الرومانية بعد ضمها على يد القائد الروماني بومبيوس الكبير، لتبدأ مرحلة ازدهار عمراني كبير انعكس في شبكتها الحضرية المتقدمة.
شارع الأعمدة… أحد أطول الشوارع الرومانية في الشرق
تميّزت أفاميا بشارعها الرئيسي الممتد لمسافة تقارب 1.85 إلى 2 كيلومتر، والمصفوف بأعمدة كورنثية حلزونية فريدة تُعد من أبرز إنجازات العمارة الرومانية في بلاد الشام. وكان هذا الشارع يربط بين بوابات المدينة الرئيسية ويشكل محوراً تجارياً وإدارياً ضخماً. انتشرت إلى جانبه المنشآت العامة مثل الحمامات، والساحات (الأغورا)، والمعابد، والكاتدرائيات في العصور اللاحقة، ما جعل المدينة مركزاً حضرياً متكاملاً في العصور الكلاسيكية.
مركز عالمي للفسيفساء والفكر
برزت أفاميا كمركز فني بارز لفن الفسيفساء، حتى عُرفت بما يشبه “مدرسة أفاميا”، حيث أنتجت ورشها لوحات فسيفسائية انتشرت لاحقاً في مناطق واسعة من البحر المتوسط. وتشير دراسات أثرية إلى أن المدينة كانت مصدراً رئيسياً لهذا الفن، إذ نُقلت أعمالها إلى كنائس ومبانٍ في مناطق أخرى.
ومن أبرز القطع المكتشفة لوحة فسيفساء تمثل سقراط وعدداً من الفلاسفة الإغريق، والتي تعكس المستوى العالي للحياة الفكرية في المدينة خلال العصر الروماني المتأخر.
الحرب السورية.. نهب ممنهج وتدمير واسع
منذ عام 2011، ومع تصاعد الصراع في سوريا، دخل موقع أفاميا مرحلة تدهور خطيرة، حيث استغلت مجموعات محلية ودولية حالة الفوضى للقيام بعمليات تنقيب غير قانونية باستخدام معدات ثقيلة.
وتشير تقارير أثرية إلى أن هذه العمليات لم تكن فردية بل واسعة ومنظمة، وتركزت في شرق وشمال وغرب الموقع، ما أدى إلى تدمير أجزاء من الطبقات الأثرية وتضرر كبير في الفسيفساء والأعمدة الحجرية، إضافة إلى صعوبة تقييم حجم المسروقات بسبب اتساع عمليات النهب.
كما وثقت تقارير دولية أن أفاميا كانت من بين أبرز المواقع التي استُهدفت ضمن موجة نهب شملت مئات المواقع الأثرية في سوريا خلال سنوات الحرب.
عودة إلى الواجهة الثقافية عبر الإيسيسكو
و أعلنت المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا تسجيل أفاميا ضمن قائمة مواقع تراثية على لائحة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو، إلى جانب مواقع سورية بارزة أخرى مثل قلعة دمشق والجامع الأموي.
ويُعد هذا الإدراج أول خطوة من نوعها منذ سنوات، ويهدف إلى إعادة تسليط الضوء على التراث السوري الذي تضرر بشدة خلال الحرب، وإعادة إدخاله في مسارات الحماية الدولية.
- بثينة الخليل






