درعا بين الوعود الحكومية وتحديات الواقع هل تبدأ مرحلة التعافي الحقيقي؟

تشهد محافظة درعا في الجنوب السوري حراكاً حكومياً متزايداً خلال الأشهر الأخيرة، تمثل في سلسلة زيارات ميدانية أجراها عدد من الوزراء والمسؤولين، شملت قطاعات الاتصالات، والتنمية الإدارية، والاقتصاد والصناعة، والأوقاف، في محاولة لإعادة تنشيط المحافظة التي تُعد من أكثر المناطق السورية حساسية على المستويين الأمني والاقتصادي.
وتركّزت هذه الزيارات على تقييم الواقع الخدمي والإداري، وتحسين البنية التحتية، والاستعداد للمواسم الزراعية، ولا سيما موسم القمح، إضافة إلى تطوير معبر نصيب الحدودي الذي يمثل الشريان التجاري الأهم لسوريا باتجاه الأردن والخليج العربي.
ورغم الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن خطط للتعافي وإعادة الإعمار، ما تزال درعا تواجه تحديات كبيرة تجعلها، بحسب توصيف مسؤولين محليين، “محافظة منكوبة” تحتاج إلى تدخل تنموي عاجل واستثنائي. فالكثير من السكان يرون أن عجلة التنمية تسير ببطء واضح مقارنة باحتياجات المحافظة وحجم الأضرار التي خلّفتها سنوات الصراع.
ويؤكد مواطنون أن المشاريع المطروحة حتى الآن ما تزال محدودة التأثير، ولم تنعكس بصورة ملموسة على حياة الناس اليومية، سواء في قطاع الخدمات أو البنية التحتية أو فرص العمل. كما أشار ناشطون محليون إلى أن بعض المبادرات الاجتماعية والتنموية، مثل مبادرة “أبشري حوران”، لم تتمكن من تحقيق كامل أهدافها، نتيجة ضعف التمويل وعدم وصول التبرعات بالشكل المطلوب.
في المقابل، تسعى الجهات الحكومية إلى الاستثمار في الموقع الاستراتيجي للمحافظة، خاصة عبر تطوير معبر نصيب الحدودي وتحويله إلى مركز اقتصادي ولوجستي محوري يربط سوريا بالأردن والخليج العربي، ويفتح المجال مستقبلاً أمام حركة تجارة أوسع مع الأسواق الإقليمية. ويرى اقتصاديون أن نجاح هذا المشروع قد يمنح درعا فرصة حقيقية لاستعادة دورها الاقتصادي التاريخي، خصوصاً في مجالات النقل والتخزين والخدمات اللوجستية.
لكن الواقع المعيشي ما يزال يلقي بظلاله الثقيلة على السكان، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات، وضعف القدرة الشرائية، وتراجع فرص العمل، إلى جانب استمرار المشكلات الخدمية المتعلقة بالكهرباء والمياه والطرق. كما أن بطء إعادة الإعمار يزيد من شعور الأهالي بأن التحركات الحكومية لم تتحول بعد إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ويرى مراقبون أن درعا تمتلك مقومات استراتيجية تجعلها قادرة على لعب دور محوري في مرحلة التعافي السوري، نظراً لموقعها الحدودي، وقربها من العاصمة دمشق، وارتباطها بالطريق الدولي ومعبر نصيب، إضافة إلى إمكاناتها الزراعية والبشرية الكبيرة. إلا أن تحقيق هذا الدور يتطلب رؤية تنموية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة، وتقوم على إعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم الاقتصاد المحلي، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وخلق فرص حقيقية للشباب.
وبين الجهود الحكومية الحالية وتطلعات السكان، تبقى درعا نموذجاً مصغراً للتحديات التي تواجه سوريا في مرحلة ما بعد الحرب؛ محافظة تمتلك فرصاً كبيرة للنهوض، لكنها ما تزال بحاجة إلى خطوات عملية أسرع وأكثر عمقاً لتحويل الوعود إلى واقع ملموس.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top