أزمة السكن في سوريا… معضلة تتفاقم مع عودة المهجّرين وغياب إعادة الإعمار

تتحوّل أزمة السكن في سوريا تدريجياً إلى واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً وإلحاحاً، مع عودة آلاف المهجّرين إلى مدنهم وقراهم بعد سنوات طويلة من النزوح واللجوء، ليصطدموا بحقيقة قاسية مفادها أن البيوت التي غادروها لم تعد موجودة، أو أصبحت غير صالحة للحياة.

فخلال سنوات الحرب، لم يكن خروج السوريين من منازلهم خياراً طوعياً، بل نتيجة مباشرة لعمليات القصف الواسعة التي طالت الأحياء السكنية والبنى التحتية والأسواق والمدارس، ما خلّف دماراً هائلاً في مناطق واسعة من البلاد، خصوصاً في المحافظات التي شهدت مواجهات عسكرية عنيفة.

ومع بدء بعض العائلات بالعودة، برزت أزمة السكن بوصفها العقبة الأولى أمام الاستقرار. فالكثير من الأهالي عادوا ليجدوا منازلهم مدمّرة كلياً أو جزئياً، فيما تعجز الغالبية عن ترميمها بسبب التكاليف الباهظة وغياب أي دعم فعلي.

وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن أكثر من 40% من المساكن في سوريا تعرضت لأضرار جزئية أو كلية، في حين دُمّرت نسبة كبيرة منها بالكامل في بعض المحافظات الجنوبية والوسطى. أما في مناطق مثل درعا وريف دمشق، فتجاوزت نسبة الدمار في بعض الأحياء 60%، ما جعل العودة الطبيعية شبه مستحيلة.

في المقابل، ازدادت أزمة السكن تعقيداً مع الارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات، بالتزامن مع الانهيار الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية للسكان.
فبعد أن كان إيجار المنزل في المدن الصغيرة والبلدات قبل عام 2011 لا يتجاوز ثلاثة آلاف ليرة سورية، أي ما يعادل نحو خمسين دولاراً آنذاك، أصبحت الإيجارات اليوم تتراوح بين 100 و300 دولار شهرياً في المناطق العادية، وتصل إلى ما بين 500 و800 دولار في بعض المدن الكبرى، بينما تجاوزت في دمشق أحياناً حاجز 1500 دولار، خصوصاً في الأحياء التي لم تتعرض لدمار واسع.

هذا الواقع دفع كثيراً من العائلات إلى تفضيل البقاء في المخيمات أو العودة إلى منازل مهدّمة جزئياً، باعتبار أن ذلك أقل كلفة من استئجار منزل لا يتناسب مع دخلها المحدود.

محمود، وهو أحد أبناء جنوب دمشق الذين هُجّروا خلال سنوات الحرب، يقول إن فكرة العودة تحوّلت إلى عبء يومي يرافقه منذ سنوات.
ويضيف:”كيف أعود إلى بيت لم يبقَ منه شيء تقريباً؟ كانت هناك غرفة واحدة يمكن العيش فيها، لكن بعد دخول قوات النظام جرى هدم ما تبقى وسحب الحديد وبيعه. لا أستطيع أن أجلب أطفالي إلى مكان بلا سقف ولا كهرباء ولا ماء. أولادي يحتاجون إلى مدرسة وطعام ومأوى، وكل ذلك غير متوفر.”

قصة محمود تتكرر في عشرات المناطق السورية التي شهدت عمليات تهجير واسعة، حيث تواجه العائلات العائدة واقعاً مختلفاً تماماً عمّا تركته خلفها.

وفي درعا، يروي أبو محمد، البالغ من العمر 35 عاماً، تجربته بعد عودته من الأردن، قائلاً إنه عاد بمفرده في محاولة لتأمين مكان تستقر فيه عائلته لاحقاً.

ويقول: “أمضيت عاماً كاملاً أحاول ترميم غرفة واحدة فقط، لكن الأسعار كانت أعلى من قدرتي. في النهاية اشتريت غرفاً مسبقة الصنع، مثل الكرفانات الموجودة في المخيمات، وجمعتها لأصنع غرفتين صغيرتين.”

ورغم ذلك، ما تزال زوجته وطفلاه خارج سوريا، بانتظار أن تتحسن الظروف بما يسمح بعودتهم.

ولا تبدو أزمة السكن مجرد مشكلة خدمية أو معيشية عابرة، بل تحوّلت إلى أزمة وطنية ترتبط مباشرة بمصير ملايين السوريين وإمكانية عودتهم واستقرارهم. ففي محافظات مثل درعا وريف دمشق وحمص، حيث سُجلت أعلى نسب النزوح والدمار، أصبح العثور على منزل صالح للسكن أمراً بالغ الصعوبة.

وتُظهر التقديرات الاقتصادية حجم الفجوة بين احتياجات السكان وقدرتهم الفعلية؛ إذ تتراوح تكلفة ترميم منزل صغير بين خمسة آلاف وخمسة عشر ألف دولار، بينما يحتاج بناء منزل جديد إلى ما لا يقل عن عشرين إلى أربعين ألف دولار، في وقت لا يتجاوز فيه متوسط دخل المواطن السوري ما بين عشرين وأربعين دولاراً شهرياً.

ومع غياب برامج إعادة إعمار شاملة، وضعف الدعم الدولي، واستمرار التدهور الاقتصادي، تبدو أزمة السكن مرشحة لمزيد من التفاقم، لتبقى واحدة من أبرز العقبات التي تعترض عودة السوريين إلى حياتهم الطبيعية بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب.

  • شاكر المقداد

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top