في القنيطرة لا ينتظر الناس معجزات. ولا يوجد أحد هنا يطلب مدينة من ذهب وعاج، ولا مشاريع بالمليارات، ولا خطابات وطنية مملة وطويلة. الناس تريد شيئاً أبسط بكثير مما تتوقع، أن تشعر فقط أن هناك دولة تتذكر أنهم ما زالوا موجودين.
سنوات طويلة مرّت، والمحافظة تُدار وكأنها هامش بعيد لا روح فيه. محافظون يأتون ويذهبون، وصور تُعلّق، وتصريحات تُقال، لكن القنيطرة بقيت معلّقة في مكانها..
طرقات مكسّرة، وقرى منهكة، وخدمات غائبة، وشعور ثقيل بأن هذه المنطقة تُزار على الخرائط فقط.
عناية السيد المحافظ نود أن نلفت انتباهك الى الحقيقة التي يعرفها الجميع، أن المحافظ السابق لم ينجح حتى في بناء علاقة حقيقية مع الناس. كثيرون في القنيطرة بالكاد شعروا أن لديهم محافظاً أصلاً.
فالمنصب هنا لم يعد يعني شيئاً إذا بقي صاحبه خلف المكاتب، بعيداً عن القرى، وعن وجوه الناس، وعن تفاصيل التعب اليومي الذي يعيشه السكان. اليوم تأتي كمحافظ جديد، ومعك فرصة نادرة لكسر هذا الجدار البارد بين الدولة والناس.
أهل القنيطرة لا يريدون محافظاً يظهر عند المناسبات الرسمية فقط. يريدون رجلاً يدخل القرى دون موكب ثقيل، ويسمع قبل أن يتكلم، ويرى بعينه كيف يعيش الناس الذين اعتاد الجميع الحديث عنهم دون أن يقترب منهم.
يريدون من يسأل:
لماذا ما تزال بعض القرى بلا خدمات حقيقية؟ كيف يعيش الناس بين البطالة وارتفاع الأسعار وانعدام فرص العمل؟ لماذا يشعر أبناء القنيطرة في دمشق وريفها أنهم مجرد أرقام انتخابية تُذكر عند الحاجة فقط؟
فهناك عشرات آلاف العائلات المحسوبة على القنيطرة تعيش خارجها منذ عقود، لكنها ما تزال تحمل وجعها وهمومها وهويتها، وتشعر أن المحافظة لم تعد تعرف أبناءها أصلاً.
المحافظ الجديد أمام اختبار واضح جداً:
إما أن يكون امتداداً لسنوات الغياب الإداري البارد، أو أن يفهم أن هذه المحافظة لا تحتاج مسؤول علاقات عامة، تحتاج مسؤولاً يعيد للناس الإحساس بأن أحداً يسمعهم أخيراً. والبداية ليست صعبة كما يظن البعض. البداية أن يخرج من المكتب. وأن يزور القرى بلا بروتوكولات. وأن يجلس مع الأهالي الحقيقيين وليس مع البيادق السابقين المنتفعين الدائمين. وأن يفتح ملفات الخدمات والمياه والطرقات والبطالة والتعليم والصحة… بجدية. وأن يتعامل مع أبناء القنيطرة في دمشق وريفها كجزء أصيل من المحافظة وليس كجمهور منسي.
القنيطرة اليوم لا تحتاج إلى خطابات رنانة كبيرة عن الصمود بقدر ما تحتاج مسؤولاً يشعر الناس، ولو لمرة واحدة فقط، أن هذه المحافظة ليست متروكة على قارعة الانتظار.






