من الحصار إلى المجزرة جديدة الفضل في ميزان الذاكرة والبطولة

لا يستطيع سكان بلدة جديدة الفضل بريف دمشق الغربي نسيان ذكرى المذبحة التي ارتكبتها ميليشيات نظام الأسد وحزب الله اللبناني بحقهم. تلك المجزرة التي تركت جرحا عميقا في ذاكرة الأهالي وندبةً لا تمحى من تاريخ البلدة، فقد تحولت شوارع جديدة الفضل في يومي 20 و 21 أبريل إلى مسرح للدمار والرعب …حيث فقدت عشرات العائلات أبناءها وأحبتها في مشاهد لا تزال تفاصيلها حاضرة في وجدان كل من نجا.

قبل المجزرة بأيام قليلة قوات النظام مدعومة بميليشيات حزب الله و ميليشيات ما يعرف  “الشبيحة” في بلدة جديدة الفضل وفرضوا حصاراً خانقاً عليها، قطعوا فيه كل إمدادات الغذاء والكهرباء والمياه عن السكان ومنعوا المدنيين من المغادرة في خطوة تمهد لقتل أكبر عدد من المدنيين عند بدء الاجتياح.

ومع الساعات الأولى للحصار، انتشر القناصة على أسطح الأبنية المرتفعة، بينما عززت القوات مواقعها بالدبابات والمدرعات في نقاط متفرقة، وبدأت محاولات التوغل داخل أحياء البلدة، والتي استمرت لعدة أيام. في المقابل، تصدّت مجموعات من الثوار لهذه المحاولات ببسالة، مستخدمة ما توفر لديها من أسلحة خفيفة.

ومع تصاعد حدة الاشتباكات، أخذت معاناة المدنيين تتفاقم يوماً بعد يوم، في ظل نقص حاد في المواد الأساسية وانعدام سبل النجاة.

عاش الأهالي تحت وطأة الخوف والترقب، بين أصوات القصف وإطلاق النار، دون قدرة على الفرار أو تأمين احتياجاتهم الأساسية. ومع تضييق الخناق أكثر، أصبحت البلدة معزولة تماماً عن محيطها، ما زاد من قسوة الظروف التي واجهها السكان.

معركة النخوة … بطولات سطرها شجعان

مع بدء التطورات الميدانية التي كانت متسارعة في ذلك الوقت عقد قادة تجمع فصائل الثوار في خان الشيح والذين كانوا الأقرب جغرافيا لبلدة جديدة الفضل اجتماعاً لبحث كيفية البدء بعملية عسكرية لفك الحصار و إنقاذ المدنيين، كان التجمع يضم:
حركة أحرار الشام الاسلامية – لواء أبو دجانة التابع لألوية أحفاد الرسول ” جيش حر “- جبـ هة النـ  صرة – سـ رايا الجـ هاد -ألوية الصـ حابة – ولواء توحـ يد العاصمة.

الخطة التي بُحثت في الاجتماع هي الدخول إلى عرطوز ثم جديدة عرطوز وتحرير الحواجز و القطعات العسكرية المتواجدة فيها وصولاً إلى بلدة جديدة الفضل لفك الحصار عنها، إلا أن القراءة الميدانية لكل جوانب الخريطة قالت بأن أي عملية ستُتخذ ستفضي لنتيجة سلبية ….ألا وهي حصار أي قوة تدخل إلى تلك المناطق، وقضاء نظام الأسد عليها بكل سهولة، حيث كانت المنطقة محاطة بالعديد من التلال والقطع العسكرية، بالإضافة لقلة الذخائر التي كانت بحوزة الفصائل و عدم امتلاكهم لسلاح نوعي يمكنهم من خلاله استهداف الدبابات والأليات المتمركزة على التلال.

وبناءً على هذه المعطيات، اتجهت معظم الفصائل إلى عدم خوض العملية، باستثناء قادة لواء أبو دجانة الذين أبدوا إصراراً أكبر على التحرك، مدفوعين بروابط القربى التي تجمعهم بسكان جديدة الفضل، المنحدرين من “عشائر الجولان”، إلى جانب مجموعة من الثوار من بلدة المقيليبة بقيادة الشهيد بإذن الله “فجر ” محمد نور أبو لبلده، إذ لم يستطيعوا تجاهل صرخات الاستغاثة ونداءات النخوة التي كانت تؤجج مشاعر الثأر وتوقظ العزائم، في وقت اختار فيه مقاتلو حركة أحرار الشام وبقية الفصائل فتح محور اشتباك آخر باتجاه حاجز بلدة الديرخبية، في محاولة لتخفيف الضغط العسكري عن المنطقة.

احتشد من قرر خوض المغامرة ووضعوا اللمسات الأخيرة لبدء معركة الفزعة لجديدة الفضل التي اجتمع المقاتلون فيها على قيادة محمد الخطيب ” أبو قاسم المغلاجي “، كانت خطة المعركة تفضي لدخول المقاتلين إلى عرطوز وجديدة عرطوز و جديدة البلد” كانتا تحت سيطرة قوات النظام آنذاك” على دفعتين باستخدام طريق فرعي كان قريباً جداً من مواقع تمركز قوات النظام “طريق الفحام”، الأولى دخلت قبل بدء المعركة بيوم بقيادة أبو قاسم المغلاجي واستقرت في أماكن آمنة والثانية لحقت بها ليلة اليوم التالي بقيادة أبو العز الحمداني، على أن تبدأ المعركة عندما تلتقي المجموعتان.

دخل أفراد المجموعتين مشياً على الأقدام من خان الشيح إلى عرطوز , حاملين ما استطاعوا من أسلحة خفيفة وذخائر , فيما لم يتمكنوا من إدخال أي أسلحة ثقيلة أو استخدام السيارات نظراً لخطورة الطريق و خوفا من انكشاف أمرهم.

ومع بزوغ فجر يوم 16 أبريل انقض الثوار بهجوم شرس على حاجز “الصورة” وسط بلدة عرطوز الظهرة و تمكنوا من تحريره، بينما مُنيت قوات النظام خلال الهجوم بخسائر على مستوى الأرواح والعتاد
حيث فجر الثوار عربة بي إم بي مليئة بالشبيحة و اغتمنوا أخرى وقتلوا عدداً من الشبيحة.
كان اغتنام تلك العربة في ذلك الوقت بالتحديد بمثابة هدية إلهية، وسأشرح السبب بعد قليل.
شكّل انتشار الثوار في الأحياء صدمة لنظام الأسد و المتعاونين معه، حيث ألقى الثوار القبض أيضاً في صباح يوم المعركة على مخبر كان يتفاخر بعمالته مع مخابرات النظام.

وفي صباح اليوم التالي وسّع الثوار من سيطرتهم على جغرافيا المنطقة و شنوا هجمات متفرقة على مواقع متعددة، منها حاجز بنايات شريتح و حاجز مفرق كوكب و تجمع لقوات النظام خلف أفران قمرين. وكان التسلل إلى بلدة جديدة البلد و الهجوم على حاجز البحرة هو الأكثر فاعلية، إذ تزامن هذا الهجوم مع تحرك آخر منسّق مسبقا نفذه المحاصرون داخل بلدة جديدة الفضل من الجهة المقابلة ,ما أسهم في تشتيت قوات النظام وتأمين خروج أعداد كبيرة من المحاصرين.
في المقابل، حاولت مجموعات من المحاصرين الخروج من منطقة قريبة من أفران قمرين، لكنها وقعت في كمينٍ لشبيحة الأسد، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى فيما استطاع عدد آخر من النجاة.

في ذلك الوقت، كانت قوات النظام المتمركزة على تلة عرطوز الظهرة تُرصد نارياً عبر عربات الشيلكا و الدبابات كل التحركات داخل الأحياء نارياً وتعيقها
شكّلت نيران الشيلكا ضغطاً كبيراً على المقاتلين إلى جانب قذائف المدفعية و تمركز عناصر النظام في مرتفع مكنهم من رؤية كل شيء يتحرك حينها
وبالرغم من عدم وجود أسلحة نوعية بيد المقاتلين تمكنهم من التعامل مع تلك الأليات.  قرر الثوار الهجوم على التل باستخدام ما يملكون من أسلحة خفيفة
ومع الساعات الأولى للهجوم استهدفت قوات النظام قوة الاقتحام بقذيفة مدفعية، استشهد على إثرها عبد الله الدوماني” القناص الذي أذل شبيحة الأسد في مواقع متعددة بريف دمشق والقنيطرة، والشهيد محمود العقلة و الشهيد عبادة الطحش وأصيب القائد أبو العز الحمداني على إثرها إصابة بليغة نقل على إثرها للعلاج إلى خان الشيح”.
شح الذخائر و أعداد الجرحى … قلبت الموازين

ومع وصول الناجين من مجزرة جديدة الفضل إلى بلدة عرطوز، رافقهم عدد كبير من الجرحى، ازداد العبء بشكل كبير على قائد المعركة، خاصة في ظل غياب مستشفى ميداني في البلدة، واقتصار الإمكانيات على نقطتين طبيتين بسيطتين يديرهمها الطبيب عناد عبيد الملقب ” صهيب ” و الطبيب علي مسعود الملقب أبو قتادة الحكيم والممرضان الميدانيان محمد بدر أبو حمزة و هيثم البلحوسي

وتزامن كل ذلك مع تلاشي الوعود التي تلقّاها أبو قاسم بأن الذخيرة والدعم في الطريق إليه ، دون أن يتحقق منها شيء
حيث نفذت الذخيرة في اليومين الأخيرين من المعركة ولم يتبقى مع المقاتلين سوى الذخائر التي في أسلحتهم وجعبهم , مما جعل قرار الانسحاب والتراجع هو الأنسب للنجاة لمن انسحب من جديدة الفضل ولمن نصرهم .

قُسم الجرحى في ذلك الوقت إلى قسمين: قسم يستطيع المشي والزحف ينسحب كُل منهم مع مجموعته , و القسم الآخر الذي حالته حرجه وضع في عربة ال بي ام بي التي اُغتنمت في هجوم حاجز الصورة
نُفذ الانسحاب على يومين تحت نيران شبيحة الأسد الذين أعادوا انتشارهم في حاجز دروشا و الأبنية المحيطة به من جهة ونيران عربات الشيلكا وقذائف المدفعية المتمركزة على تلة المنصورة وتلة الكابوسية من جهة أخرى

جرح غائر لا يندمل

تبقى مأساة جديدة الفضل جرحا مفتوحاً في ذاكرة السكان، لا يندمل مع مرور الوقت، حمل الناجون بسببها في وجدانهم وذاكرتهم آلاماً أكبر من أن توصف أو تختصر في سرد.
قتلت قوات النظام في تلك المذبحة مئات الشهداء والجرحى، لم يتمكن أحد من إحصاء أعداد الضحايا بشكل دقيق، قدّر نشطاء الأعداد بين 1500 و 2000 شهيد، قتل بعضهم عند بدء الاقتحام والتفتيش وفي المشافي الميدانية، وآخرون عند محاولتهم الهروب من البلدة فيما قتل البقية بعد اعتقالهم واقتيادهم إلى القطع العسكرية المجاورة

  • فاروق الأحمد

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top