فضيحة الضمائر المستأجرة

بين القهر والنفاق: أخلاقيات الصعلوك السياسي

 في الأوقات العادية، نتصور المثقف ككائن أخلاقي استثنائي. هو ذاك الذي يقف حيث يقف الضعفاء، ويكسر قواعده مع السلطة، ويفضل السجن على الكذب. هذا ما تعلّمناه من غوته وسارتر وشكسبير، أن صاحب الثقافة هو بالتعريف “ضمير الإنسانية”. لكن سوريا قلبت المعادلة رأساً على عقب. فجأة، ظهرت فئة ثقافية من (فنانين ومغنين وصنّاع محتوى ومعارضين سابقين) لم تكتفِ فقط بالصمت أمام المجازر، تبنّت روايات مفبركة وهي تعلم أنها مفبركة. والأدهى أنها لم تفعل ذلك دفاعاً عن النظام القديم، على العكس استمرّت بعد سقوطه بالهجوم على أي محاولة لبناء جديد.
 
القصة التي تكشف كل شيء: كريستين جبل الباشانوالبنت بتول
لنتوقف عند حالة نموذجية، لأن الأمثلة كثيرة لكن الجوهر واحد.
كريستين، الصحفية اللبنانية الموالية لنظام الأسد في البداية، ومن ثم تحولت ألى صحفية معروفية من “جبل باشان”.. تتبنّى قضية بتول، الفتاة التي اعتنقت الإسلام. تروي كريستين أن الفتاة لم تسلم بإرادتها، بل كانت “سبية” أو مخطوفة، وتصنع قصة كاملة عن اضطهاد أهلها العلويين. لكن الحقيقة (التي تعرفها كريستين جيدا) أن بتول أسلمت بقرار شخصي، بعد قصة حب أو قناعة، كما يحدث ملايين المرات في العالم.
 
لماذا تتبنّى قضية كاذبة؟ لأنها تخدم هدفا أكبر: إثبات أن الحكومة الجديدة هي “دولة أسلمة قمعية“، وأن الأقليات في خطر. هذا الادعاء يمنحها:
 · تشويه صورة الحكومة الجديدة دولياً، بإلصاق تهمة “السبي” والاختطاف الديني بها..
· قلب علاقات الدول مع سوريا من إيجابية إلى سلبية، عبر حملات تضليل إعلامي.
· إثبات أنها قادرة على التأثير ويمكنها “تحريك الدمى” وإنتاج فيديوهات تبكي لها العالم.
 كريستين دفعت بالعائلة إلى لبنان، وعدتهم بالحماية والدعم. أقنعتهم أنهم في خطر في سوريا (مع أنهم اتهموا الحكومة والناس بأقبح التهم، ومع ذلك لم تعتقلهم الحكومة، ولم يتعرض لهم أحد). ماذا حدث في لبنان؟ تعرضوا للقصف الإسرائيلي. شُردوا. وخافوا على حياتهم.
 السخرية:
 لو بقوا في سوريا، لكانوا في بيوتهم الآن، آمنين على أنفسهم قبل ممتلكاتهم. لكن كريستين لم تكن تهتم بهم. هي لم ترَ فيهم عائلة خائفة على ابنتها. رأت فيهم:
· مادة دعائية.
· أداة لإنتاج فيديو باك.
· دليلا مزعوماً على “جرائم الحكومة الجديدة”.
ضحّت بهم من أجل سرديتها. أقنعتهم أن الخطر في سوريا (حيث لا خطر حقيقي عليهم)، فذهبوا إلى لبنان (حيث القصف الإسرائيلي حقيقي وموجع).
 الجرح الإضافي: لماذا لم نسمع كريستين تدافع عنهم بعد القصف؟ لأنهم أدوا دورهم. وخرجت الفيديوهات. وانتشرت الأكاذيب. وتشوهت صورة الحكومة قليلاً. انتهى العرض.
بالمقابل كريستين لم تسأل: أين سينامون الليلة؟ من يؤمن لهم دواء؟ من يعيدهم إلى سوريا؟ بالطبع لا. هي مشغولة بالجولة القادمة من التضليل. وهنا نصل إلى النتيجة: هؤلاء ليسوا مثقفين مخطئين.
هم صنّاع ضحايا يتاجرون بالألم الحقيقي لخدمة مشروع سياسي بال. يستخدمون عائلة خائفة كوقود، ثم يتركونها تحت القصف في بلد ليس بلدها. كريستين لا تحمي الأقليات. هي من يعرضهم للخطر. كريستين لا تدافع عن بتول. هي من يستغلها. كريستين لا تبحث عن حقيقة. هي من يخترعها ويدفع ثمنا من دماء الآخرين.
 فاصل: الفنان وسردية “الإرهابيين المندسين”
كانوا يسكنون في دمشق. على بعد كيلومتر واحد من مجازر الغوطة وداريا والقابون. يسمعون الانفجارات. يرون الدخان الأسود. يعرفون أن الطيران يفرغ براميل الموت على رؤوس أطفال. وماذا يفعلون؟
يلمعون صورة القاتل. وينشرون أغاني “النصر”. يصورون فيديوهات “التلاحم”. ويشرحون للعالم أن النظام “يقاتل إرهابيين مندسين وخارجين عن القانون”.
النظام لم يكن يحتاجهم. لكنه احتاج تبريراتهم. كان يقول في قرارة نفسه: “انظروا. فنانو بلدي يدعمونني. إذا كان هؤلاء المثقفون يشجعونني على قتل الأطفال، فلماذا لا أقتل؟” القاتل أخذ منهم الغطاء الأخلاقي، وقدموه له على طبق من ذهب. الآن، بعد سقوطه، ماذا يفعلون؟
لا يعترفون بخطيئة واحدة. لا يقولون “آسفون لأهالي الشهداء”. لا يعترفون بأنهم أخطأوا في دعم وحش. بدلاً من ذلك، يخرجون كل فترة بـ”تصريح مثير للجدل”. يشككون في الحكومة الجديدة. يبكون على “الأسلمة” التي لم تحدث. يحاولون إقناع الناس أنهم كانوا “على حق” طوال الوقت. المأساة ليست أنهم أخطأوا. المأساة أنهم ما زالوا مصرّين على الخطأ.
إنهم لا يريدون مواساة الضحايا. ويريدون تبرئة أنفسهم فقط. ولو تطلب تبرئة أنفسهم إنكار مجزرة جديدة، سيفعلونها. لأنهم لم يكونوا يوماً “ضمير الأمة”. كانوا “صوت القاتل”.. وبعض الأصوات لا تموت بموت من تغنّى له.
 ما الذي يجري في عقل هذه الشخصيات؟ علم النفس يشرح
 1.    الاستثمار في الهوية
عندما يقضي إنسان سنوات طويلة في بناء صورته الذاتية على عداوة نظام سياسي معين، فإن سقوط ذلك النظام ليس نصراً له، يشكل أزمة وجودية. ماذا يفعل الآن إذا كان العدو الذي عرّف نفسه بمعارضته قد زال؟ الحل: اختراع عدو جديد، وتحويل المعركة إلى معركة أخلاقية دائمة.
 2.    التنافر المعرفي  في أقصى درجاته
مشاهد السجون المفتوحة بعد التحرير، وشهادات المعتقلين، وأسماء عشرات الآلاف من المفقودين هذه الحقائق تصطدم مع رواية المثقف عن نفسه كـ”صوت الضمير”. لتجنب الانهيار النفسي، يلجأ إلى إنكار الواقع أو إعادة تفسيره: “هذه دعاية”، “الحكومة الجديدة أسوأ”، “نحن كنا على حق طوال الوقت”.  
 3.    التحيّز التأكيدي المزدوج
هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة. يبحثون عن أي خبر يؤكد روايتهم، حتى لو كان الخبر نفسه ساخرا في ضعفه. وخبر مفبرك عن “اختطاف فتاة علوية” ينتشر أسرع من تقرير للأمم المتحدة عن مجازر النظام السابق.
 4.    الخوف الوجودي المُصدَّر إلى الآخرين
هؤلاء “المثقفون” لا يقولون أبدا، ولو ضمنيا، أن النظام الجديد يحمي الأقليات. بالعكس. هم يبحثون عن أي تهمة يلصقونها به: “إرهابي”، “أسلمة”، “تطرف”. المهم أن تكون     الصورة قبيحة. لكن الحقيقة المرة التي يتجاهلونها: لو سقط هذا النظام اليوم، من يحمي الأقليات؟
لا أحد. الفراغ هو القاتل الحقيقي. فالفراغ يعني فوضى، والفوضى تأكل الجميع. والأقليات أولا. إذا ما الذي يفعلونه؟ يضعفون الحماية الوحيدة الموجودة، ثم يتهمون الحماية نفسها بأنها “خطر”. تستنتج ان هذا انتحار بإسم الأقليات وليس دفاعا عن الأقليات.
 التناقض الفاضح: دفاع عن الأقليات أم عن الأنا؟
هؤلاء يدّعون حماية الأقليات.. العلويين، المسيحيين، الأكراد،….،. لكنهم بفعلهم هذا:
· يؤلبون الأغلبية ضد الأقليات باتهامهم الدائم للأغلبية بـ”التطرف”.
· يُضعفون فرص التعايش بزرع الشك والرعب.
· يُصادرون حق الأقليات في التعبير عن مخاوفهم الحقيقية، لأنهم يختزلون تلك المخاوف في قالب سياسي مسيّس.
 
أما الحكومة الجديدة، مهما كانت عيوبها (بالرغم من أن غلاء المعيشة حقيقي، والتحديات أكبر من أي وقت)، فهي على الأقل:
· فتحت السجون التي كان يخفيها النظام السابق.
· رفعت سقف الحرية وحرية التعبير إلى مستوى لم تشهده سوريا منذ عقود.
· لم تعلن أسلمة، وهذا واقع لا يمكن نفيه.
 لكن هؤلاء “المثقفين” لا يريدون رؤية ذلك. لأن رؤيته تعني الاعتراف بأنهم كانوا على خطأ طوال هذه السنوات.
 الخلاصة: المثقف الحقيقي ليس من يدّعي المعرفة أو ينكرها، هو من يعترف بـألم الناس. الفرق بين المثقف الحقيقي وهذه الفئة بسيط:
· المثقف الحقيقي يبحث عن الحقيقة، ولو كانت تؤلمه.
· المثقف الزائف يبحث عن رواية تبرر وجوده، ولو كانت كذبة.
 المثقف الحقيقي يقول: “أخطأت في دعمي للنظام السابق، لكني الآن مع الحق أينما كان”.
المثقف الزائف يظل يردد: “كلا النظامين سيئان”، متجاهلاً أن أحدهما أفرغ السجون والآخر ملأها.
 
إلى القارئ: هذا ليس مقالاً عن السياسة، هذا مقال عن النزاهة قد تقرأ هذا وتظن أنها معركة بين مؤيد ومعارض للحكومة الجديدة. كلا. هذه معركة بين من يضع الحقيقة فوق هويته، ومن يضع هويته فوق الحقيقة.
فعندما ترى شخصاً يعرف أنه خبر مفبرك لكنه ينشره، وعندما ترى شخصاً يشاهد مجازر بعينيه لكنه يتحدث عن “جرائم الطرف الآخر” كأنها مكافئة، وعندما ترى شخصاً يدّعي الدفاع عن الضعفاء وهو يخدم قضيته الشخصية.. اعلم أنك لا ترى مثقفاً.
ترى إنساناً فقد البوصلة، واستبدل البحث عن الحقيقة بالتمسك بالصورة التي بنى عنها في المرآة. والمرآة، كما نعرف، لا تُظهر الحقيقة. تظهر ما نريد رؤيته.
 سوريا الجديدة تحتاج إلى مثقفين يعترفون بأخطائهم أولاً، ثم يبدأون من جديد. لأن الحضارة لا تُبنى على إنكار الماضي، وإنما على مواجهته بصدق ولو كان الثمن هو أن نرى أنفسنا كما نحن حقا، وليس كما أحببنا أن نكون.
 

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top