لم يعد ما يجري قابلاً للتأويل أو التخفيف، ما أُعلن على لسان السيد طلال الهلالي المدير العام لهيئة الاستثمار السورية، ليس مجرد توجّه اقتصادي، بل إعلان واضح عن مرحلة جديدة، دولة تنسحب من التزاماتها، وتدفع بالمواطن إلى مواجهة سوق متوحّش بلا حماية ولا ضوابط حقيقية، الحديث عن خصخصة الصحة والتعليم ليس تفصيلاً، بل عنواناً لمسار كامل يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس واحد، “الدفع مقابل البقاء”.
هذه ليست إصلاحات، بل عملية تفكيك تدريجية لما تبقّى من دور الدولة الاجتماعي، حين تُرفع يد الدولة عن القطاعات الأكثر حساسية، فهي لا “تفسح المجال للاستثمار” كما يُقال، بل تترك فراغاً تملؤه المصالح الخاصة، حيث يصبح الربح هو المعيار الوحيد، ويُختزل الإنسان إلى قدرته على الدفع.
لكن لفهم خطورة ما يُحضَّر، لا بد من العودة إلى تجربة لا تزال آثارها حيّة في ذاكرة الناس، “تفكيك أدوات ضبط السوق، وعلى رأسها المؤسسة الاستهلاكية” تلك المؤسسة، رغم كل ما شابها من فساد وترهّل، كانت تشكّل صمام أمان نسبي في وجه جنون الأسعار، لم تكن مثالية، لكنها كانت تمثّل حضور الدولة في السوق، وتضع حداً أدنى من التوازن، وتفرض ولو بشكل جزئي سقفاً للجشع.
ما الذي حدث بعد إلغائها؟ تم تسويق ذلك تحت عنوان “تحرير السوق”، وهو المصطلح الذي يبدو جميلاً نظرياً، لكنه في الواقع تحوّل إلى غطاء لفوضى كاملة، لم يتحرر السوق لصالح المنافسة، بل تحرر لصالح الأقوى، لم تُفتح الأبواب أمام العدالة الاقتصادية، بل أمام الاحتكار المقنّع والانفلات السعري.
في ظل ما سُمّي “التحرير”، لم يعد هناك معيار واضح للأسعار، السلعة نفسها يمكن أن تباع بعشرات الأسعار، بلا رقيب فعلي ولا محاسبة حقيقية، كل تاجر أصبح مرجعاً لنفسه، يحدّد السعر وفق مزاجه أو وفق ما يضمن له أعلى ربح ممكن، المواطن، في هذه المعادلة، لم يعد مستهلكاً له حقوق، بل ضحية دائمة لميزان مختل لا يميل إلا لصالح الأقوى.
النتيجة كانت واضحة وقاسية، ارتفاع جنوني في الأسعار، تآكل مستمر في القدرة الشرائية، وشعور عام بأن السوق لم يعد مكاناً للتبادل العادل، بل ساحة مفتوحة للاستغلال، ومع ذلك، لم يُراجع هذا المسار، ولم تُستخلص منه الدروس، بل يجري اليوم تعميمه على قطاعات أخطر بكثير.
إذا كان “تحرير السوق” في السلع الغذائية قد أنتج هذه الفوضى، فكيف سيكون الحال عندما يُطبّق المنطق نفسه على الصحة والتعليم؟ ماذا يعني أن يُترك العلاج لقواعد الربح والخسارة؟ ماذا يعني أن يصبح التعليم سلعة تُسعّر وفق القدرة على الدفع؟ ببساطة، يعني أن الفجوة الاجتماعية ستتسع بشكل غير مسبوق، وأن الحق في الحياة الكريمة سيتحوّل إلى امتياز طبقي.
المشكلة الأعمق أن هذا المسار يجري دون أي بنية رقابية حقيقية، في الدول التي تتجه نحو الخصخصة، تكون هناك مؤسسات قوية، قوانين صارمة، وآليات مساءلة فعالة، أما هنا، فالتجربة تقول العكس تماماً، غياب الشفافية، ضعف المحاسبة، وقرارات تُتخذ في دوائر مغلقة، بعيداً عن أي نقاش عام أو تمثيل حقيقي للناس.
ما يجري اليوم هو تكرار لنفس الخطأ، ولكن على نطاق أوسع وأخطر، تم تفكيك أدوات ضبط السوق سابقاً، فكانت النتيجة فوضى، واليوم، يجري تفكيك ما تبقّى من خدمات أساسية، في ظل نفس الظروف، وبنفس العقلية، وكأن الهدف ليس الإصلاح، بل الانسحاب الكامل وترك المواطن لمصيره.
الخلاصة التي لا يمكن تجاهلها، الدولة لا تعيد تنظيم السوق، بل ترفع يدها عنه، لا تحمي المواطن، بل تدفعه إلى مواجهة منظومة لا ترحم، ومع كل خطوة في هذا الاتجاه، يتحوّل المواطن من صاحب حق إلى مجرد رقم في معادلة الربح.
في هذا الواقع، لم يعد السؤال كيف سيعيش المواطن، بل كم سيدفع ليبقى قادراً على العيش، ومع استمرار هذا النهج، يصبح كل شيء قابلاً للتسعير، الغذاء، العلاج، التعليم وحتى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
في هذه المعادلة الجديدة، الدولة لا تبني مجتمعاً، بل تدير سوقاً، والمواطن لا يعيش، بل يُحاسَب حتى آخر نفس.






