قرية زعورة المحتلة في الجولان السوري تتجاوز كونها مجرد موقع جغرافي أو تجمع سكاني اندثر بفعل الاحتلال، فهي ذاكرة حيّة تختزن في تفاصيلها ملامح التراث الشعبي والهوية السورية التي قاومت محاولات الطمس والاقتلاع.
منذ القرن التاسع عشر، حين ذكرها المستشرق الألماني فيكتور غرين شتيل، كانت زعورة أولى القرى المأهولة في الجولان الحديث، حيث سكنها نحو 120 نسمة من العرب السوريين في بيوت مبنية من الحجارة البازلتية والطين، ثم تطورت إلى مساكن إسمنتية أكثر حداثة مع مرور الزمن.
اسمها ذاته، “زعورة”، ذو جذور سريانية آرامية تعني “الصغير”، وهو ما يعكس عراقتها وامتدادها التاريخي، ويجعلها شاهداً على تواصل الحضارات في هذه البقعة من الأرض.
يقع موقعها على المنحدرات الغربية للجولان، غرب قرية مسعدة بستة كيلومترات، ما منحها إطلالة بهية على سهل الحولة الخصيب، بينما يطل عليها جبل الشيخ من الشمال، لتكون القرية ملتقى بين الجغرافيا الخصبة والرمزية الروحية.
هذا الموقع جعلها مركزاً زراعياً نشطاً، حيث اشتهرت بزراعة الخضراوات مثل المقثى والخيار والكوسا والباذنجان والبصل والطماطم، إضافة إلى الزيتون الذي كان يُعصر في معصرتها الشهيرة “معصرة زعورة”، التي لم تكن مجرد مكان لإنتاج الزيت، بل فضاءً اجتماعياً يلتقي فيه أبناء القرى المجاورة لتبادل الأخبار وعقد الصفقات، في صورة من صور التراث الشعبي الذي يربط الزراعة بالحياة اليومية والذاكرة الجمعية.
بلغ عدد سكانها قبل الاحتلال نحو ألفي نسمة، اعتمدوا على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش، وكانوا يحيون مواسم الحصاد والقطاف بطقوس شعبية مميزة، حيث تُغنى الأهازيج وتُروى الحكايات حول الزيتون والقمح، ويُحتفى بالعمل الجماعي الذي يعكس روح التعاون والتكافل.
في منتصف القرن العشرين، ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية، تدخل الأمير فاعور، أمير واسط، للسيطرة على القرية عبر شراء محاصيلها وتسديد ديون أهلها، وهو ما يعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في تلك المرحلة، حيث كان النفوذ السياسي والاقتصادي يتقاطع مع حياة الفلاحين البسطاء الذين ظلوا متمسكين بأرضهم وزراعتهم رغم الظروف.
في العاشر من حزيران عام 1967، تحولت زعورة إلى ساحة معركة شرسة بين الجيش السوري وقوات الاحتلال الإسرائيلي؛ أعقب ذلك تهجير قسري لسكانها وتصفية عدد منهم، لتتحول القرية إلى أطلال بعد أن كانت مركزاً نابضاً بالحياة.
ومع ذلك، بقيت زعورة في الذاكرة الشعبية رمزاً للصمود، تُروى قصصها في المجالس وتُستحضر في الأغاني الشعبية التي تتحدث عن الأرض والتهجير والحنين، لتصبح جزءاً من التراث الشفهي الذي يحفظ هوية الجولان.
زعورة اليوم أكثر من مجرد قرية محتلة، فهي رمز للهوية السورية في مواجهة محاولات الطمس، تختصر مأساة الاحتلال وملحمة الصمود في آن واحد.
إن ذكرها في كتابات الرحالة والمستشرقين، وارتباطها بالزراعة والمعاصر والأهازيج الشعبية، يجعلها شاهداً على أن الأرض ليست مجرد تراب، بل ذاكرة ووجدان وثقافة. الحديث عنها هو حديث عن الجولان كله، عن الأرض التي قاومت، وعن الناس الذين طُردوا قسراً لكن بقيت ذكراهم حيّة في الوجدان، لتظل زعورة قرية صغيرة بالاسم، كبيرة بالمعنى، تختزن في تراثها الشعبي وتاريخها العريق صورة الجولان السوري المحتل بكل ما فيه من ألم وأمل.
- فريق التحرير






