خريطة الشرق الأوسط

في كل مرة تتصاعد فيها المواجهة بين إسرائيل وإيران، يجد السوري نفسه في موقع لا يشبه بقية المتابعين في المنطقة. بالنسبة له ليست مجرد حرب أخبار، وليست مجرد مواجهة جيوسياسية بعيدة. السوري يحمل ذاكرة ثقيلة من تجربة مباشرة مع المشروع الإيراني، تجربة لم تُكتب فقط في التحليلات السياسية، لأنها ببساطة سُطرت في المدن المدمرة والمقابر الجماعية والبيوت التي تحولت إلى أطلال.
لهذا السبب، حين تتلقى إيران ضربة عسكرية، يظهر في الشارع السوري شعور يصعب على الآخرين فهمه بسهولة. ليس تعاطفاً مع إسرائيل، ولا هو انحيازاً لمعسكرها، أنه انعكاس طبيعي لذاكرة عشرات الآلاف من الضحايا الذين سقطوا تحت بنادق الميليشيات التي أرسلتها طهران إلى سوريا. فالسوريون لم يتعاملوا مع إيران بوصفها مجرد دولة بعيدة، لأنهم عرفوا حضورها عبر أذرعها المسلحة: حزب الله القادم من لبنان، وميليشيات الحشد الشعبي من العراق، ومقاتلي الحوثيين من اليمن، إضافة إلى تشكيلات أخرى حملت رايات مذهبية مختلفة وشاركت جميعها في حرب تركت ندوباً عميقة في الجسد السوري.
ومع ذلك، فإن هذه الذاكرة المؤلمة لم تغيّر حقيقة أخرى راسخة في الوعي السوري: إسرائيل تبقى عدواً تاريخياً. هذا الموقف لم يتبدل، ولم يتحول السوريون إلى أنصار لها لمجرد أنهم رأوا بأعينهم ما فعله المشروع الإيراني في بلدهم.
هنا تحديداً تظهر المفارقة العجيبة والغريبة التي يحاول بعض السياسيين والمحللين في الفضائيات تجاهلها أو تشويهها. فكلما اندلعت مواجهة بين إيران وإسرائيل، يخرج علينا صوت جديد يطالب العرب بالاصطفاف خلف طهران، وكأن نجاة المنطقة مرهونة ببقاء المشروع الإيراني. مع الأسف يبالغ هؤلاء في رسم صورة أسطورية لإيران، ويعاملونها كأنها القوة الوحيدة القادرة على مواجهة إسرائيل، ثم يذهبون أبعد من ذلك فيتهمون الشعوب العربية بالخيانة إذا رفضت هذا الاصطفاف.
هذه اللغة ليست جديدة، وهي بالمناسبة ليست بريئة أيضاً. فربط مصير العرب بمصير المشروع الإيراني ليس تحليلاً سياسياً بقدر ما هو تعبير عن عقيدة سياسية ترى في المنطقة مجرد ساحة نفوذ. هذا التوجه الإعلامي المتصاعد، المليء بالوعيد والتخوين، لا يهدف إلى قراءة الواقع بقدر ما يسعى إلى فرض وصاية فكرية على شعوب عاشت التجربة ودفعَت ثمنها.
السوريون تحديداً ليسوا بحاجة إلى دروس في الوطنية من أحد. لقد عرفوا المشروع الإيراني عن قرب، وعرفوا أيضاً طبيعة الصراع مع إسرائيل. ومن عاش التجربتين يدرك أن المنطقة لم تكن يوماً ساحة مواجهة أخلاقية بين طرف خيّر وطرف شرير، كونها ساحة صراع بين مشاريع قوة تتصارع فوق أرض لشعوب أنهكتها الحروب.
ولهذا فإن اتهام السوريين أو غيرهم من العرب بالوقوف مع إسرائيل لمجرد رفضهم للمشروع الإيراني هو تبسيط مخلّ بالواقع، أو هو تجاهل متعمد لتجربة دامية عاشتها شعوب كاملة. فالصهيونية تبقى عدواً واضحاً في نظر العرب، غير أن ذلك لا يجعل المشروع الطائفي الذي مزق العراق وسوريا ولبنان واليمن مشروعاً مقبولاً أو مشروعاً يستحق الدفاع عنه.
التجربة السورية تحديداً كشفت حقيقة لا يمكن تجاوزها: الخطر الكبير لا يكون من الحدود فقط، لأنه ربما يولد من داخل المنطقة نفسها، مستفيد من الشعارات الدينية والاصطفافات الطائفية لتوسيع النفوذ وتمزيق المجتمعات.
اذن.. لكل وسائل الاعلام الخبيث طريقة طرحكم للسؤال التالي «لماذا لا يقف السوريون مع إيران؟» خاطئة شكلاً ومضموناً، لأن السؤال يجب ان يطرح بهذا الشكل: «لماذا يصرّ البعض على تصوير المنطقة وكأنها مجبرة على الاختيار بين مشروعين كلاهما أثبت قدرته على تدمير المدن وإشعال الحروب؟».
الشعوب التي دفعت أثمان هذه الصراعات لا تبحث عن بطل جديد تتبعه، ولا تبحث عن قوة إقليمية تحكمها باسم المقاومة أو الدين. ما تبحث عنه ببساطة هو حقها في الخروج من لعبة المحاور التي حوّلت المنطقة إلى ساحة حرب دائمة.

أما أولئك الذين يوزعون شهادات الخيانة على الشعوب لأنهم لم يصطفوا خلف إيران، فربما حان الوقت ليدركوا حقيقة بسيطة: العرب لن ينجوا بالارتهان لأي مشروع خارجي، سواء جاء من طهران أو من أي عاصمة أخرى. لأن النجاة تأتي حين تتوقف هذه المنطقة عن البحث عن وصي جديد، وتبدأ في استعادة قرارها بيدها.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top