إبراهيم علبي مندوب مجلس الأمن الدائم عن سورية _مواقع تواصل

رسمت إحاطة مجلس الأمن الدولي حول الوضع الإنساني في سوريا صورةً مزدوجة لمرحلة ما بعد الحرب: مؤشراتٌ متنامية على التعافي وعودة اللاجئين والنازحين، مقابل احتياجات إنسانية واقتصادية واسعة، وعوائق أمنية وخدمية تهدد بتحويل العودة إلى مسار هشّ ما لم تتحول التعهدات الدولية إلى دعم فعلي ومستدام.

وأكد نائب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، أن الوضع الاقتصادي يمثل “أحد العناصر الأساسية لضمان نجاح المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار”.

أشار إلى أن رفع العقوبات أتاح فرصاً جديدة للاستثمار والتعاون المالي، لافتاً إلى إعلان الاتحاد الأوروبي تقديم دعم بقيمة 620 مليون يورو، واعتماد البنك الدولي 175 مليون دولار لمشاريع زراعية.

وربط كوردوني نجاح التعافي بإجراء «إصلاحات مؤسسية» وتعزيز الشفافية وتحقيق نمو منصف، موضحاً أن الأمم المتحدة تبحث مع الحكومة السورية عقد مؤتمر لإعادة الإعمار “وفقاً للأولويات السورية”.

وشدد على أن المطلوب هو تحويل الفرص المتاحة إلى دعم مستدام يضمن تعافي البلاد ويحقق “منافع ملموسة للمجتمعات”، مشيراً إلى أن السوريين ينتظرون إرادة سياسية دولية تضمن التمويل والمساعدة التقنية وتنفيذ المشاريع.

وفي الجانب الإنساني، أعلن الأمين العام المساعد للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ونائب منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، محمد يحيى، عودة نحو 1.82 مليون لاجئ سوري إلى البلاد، إلى جانب عودة 2.04 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية. غير أن هذه الأرقام لا تعني انتهاء أزمة النزوح، إذ لا يزال أكثر من 5.5 ملايين شخص نازحين داخل سوريا، بينهم نحو 770 ألفاً يقيمون في المخيمات، ثلاثة أرباعهم من النساء والأطفال.

وقال يحيى إن تضرر المدارس وشبكات المياه والطاقة، إلى جانب نقص فرص العمل، يعرقل استقرار العائلات العائدة.

كما حذّر من استمرار خطر الألغام ومخلفات الحرب، موضحاً أنه تم الإبلاغ عن 2576 ضحية جراء حوادث المتفجرات في سوريا منذ كانون الأول 2024، بينهم نحو 900 قتيل. وأكد أن إزالة الألغام “ليست مجرد إجراء للسلامة، بل شرط أساسي لإعادة بناء مستقبل سوريا”، في وقت لا تتجاوز فيه نسبة تمويل الاستجابة الإنسانية 32%، وهي نسبة وصفها بأنها غير كافية.

وتحت عنوان “سوريا بلا مخيمات”، شدد المسؤول الأممي على أن المبادرة لا تعني إغلاق المخيمات فحسب، بل “إنهاء الحاجة إليها عبر توفير الظروف اللازمة لعودة آمنة ومستدامة”. ويتقاطع ذلك مع موقف مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، الذي قال إن إخراج النازحين من المخيمات لا معنى له ما لم يجدوا “منازل تؤويهم ومدارس لأطفالهم ومراكز صحية وخدمات وفرص عمل تصون كرامتهم”.

لكن مسار التعافي يواجه تحديات أمنية متزايدة في الجنوب السوري. فقد قال كوردوني إن الأعمال العسكرية الإسرائيلية مستمرة يومياً، وتشمل إقامة حواجز ونقاط تفتيش وعمليات قصف واحتجاز، معرباً عن مخاوفه من آثارها على المدنيين.

وأشار إلى تقارير تفيد باستمرار احتجاز إسرائيل 49 شخصاً، داعياً إلى متابعة أوضاعهم وضمان حقوقهم، ومؤكداً ضرورة وقف الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق فض الاشتباك واحترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها. وتزامنت هذه التصريحات مع تحذيرات أممية من استمرار تأثير العمليات الإسرائيلية على المدنيين في الجنوب واحتجاز سوريين هناك .

وحظيت هذه المخاوف بتأييد واسع من أعضاء مجلس الأمن. فقد دعت روسيا والدنمارك وفرنسا وبريطانيا والصين وتركيا والبحرين وباكستان وليبيا، إلى جانب دول أخرى، إسرائيل إلى وقف أنشطتها العسكرية والانسحاب من الأراضي السورية المحتلة والالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وقرارات مجلس الأمن. كما أكدت عدة وفود أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن أي إجراءات تهدف إلى تغيير وضعه القانوني باطلة، في إشارة إلى القرار 497 لعام 1981.

في المقابل، رحبت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة تامي بروس بالتقدم الذي تحرزه الحكومة السورية، وبخطوات إعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي، كما رحبت بالتعاون مع التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» وبإعادة 36 قطعة من الإرث السوري المسروق.

وأعلنت المندوبة البريطانية تخصيص 90 مليون دولار لدعم تعافي سوريا خلال العام المالي الحالي، بما يشمل التعليم وريادة الأعمال وسبل العيش وفرص العمل والاستجابة للاحتياجات الإنسانية.

وأكد مندوب سوريا أن بلاده تنتقل «من مرحلة الأزمة إلى دور فاعل في صناعة الحلول والمساهمة في التنمية»، داعياً المجتمع الدولي إلى الانتقال من إعلان الدعم السياسي إلى «الشراكة الفعلية والتنفيذ».

وقال إن سوريا لا تطلب دعماً سياسياً فحسب، بل «شراكة عادلة تساعد السوريين على استكمال البناء وحماية عودتهم»، محذراً من أن مخلفات الحرب والإرهاب والاعتداءات الإسرائيلية قد تقوّض ما ينجزه السوريون

وفي ملف العدالة الانتقالية، أعلنت الأمم المتحدة استعدادها لتعزيز التعاون مع المؤسسات السورية والآليات الدولية، مع احترام «الملكية والقيادة السورية» لهذه العملية.

كما رحب كوردوني بمبادرة الحكومة لإعداد خطة عمل وطنية لمكافحة خطاب الكراهية، شرط احترام حرية الرأي والتعبير وفق القانون الدولي، بينما أشارت الأمم المتحدة إلى تعهدات دولية في روما تجاوزت 75 مليون دولار لدعم جهود مكافحة الإرهاب في سوريا.

وتكشف مداولات مجلس الأمن أن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بعدد العائدين أو حجم التعهدات المالية، بل بقدرة المؤسسات السورية وشركائها الدوليين على تحويل الدعم إلى مدارس وخدمات وفرص عمل ومساكن آمنة، وبوقف الانتهاكات التي تهدد استقرار الجنوب.

وبينما يؤكد السوريون اختيارهم “البناء بعد سنوات من الدمار” يبقى الاختبار الحقيقي في مدى استعداد المجتمع الدولي للانتقال من بيانات التضامن إلى شراكة قابلة للقياس والتنفيذ.

  • أ. بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top