مقتل ثلاثة من الأمن الداخلي وإصابة آخرين في اشتباكات الصنمين بريف درعا، وسط حظر تجوال وملاحقة مجموعة مسلحة، في ظل تاريخ طويل من التوتر.
شهدت مدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، فجر الخميس 17 أيلول 2026، اشتباكات مسلحة خلال عملية نفذتها قوى الأمن الداخلي لإلقاء القبض على أحد المطلوبين، أسفرت عن مقتل ثلاثة من عناصر الأمن وإصابة آخرين، إضافة إلى إصابة امرأة، بحسب معلومات حصلت عليها ” مؤسسة جولان”.
وقالت قوى الأمن الداخلي في بيان نقلته وكالة “سانا”، إن مجموعة مسلحة “خارجة عن القانون” فتحت النار على الدورية الأمنية أثناء تنفيذ المهمة، ما أدى إلى اندلاع الاشتباكات. وأعلنت استمرار انتشارها في المدينة وملاحقة أفراد المجموعة والمتورطين في الهجوم، مع فرض حظر مؤقت للتجوال إلى حين استقرار الوضع الأمني.
وتشير إفادات ميدانية إلى أن الاشتباكات تركزت داخل أحياء سكنية، وسط إطلاق نار كثيف وآثار للرصاص في عدد من المواقع، بينما دفعت الأجهزة الأمنية بتعزيزات إلى المدينة لمواصلة العملية.
وبحسب المعلومات الخاصة لـ”مؤسسة جولان”، استهدفت العملية الأمنية شخصاً مطلوباً لقوى الأمن الداخلي يُدعى “وليد السعادين”، حيث دخلت دورية أمنية إلى أحد المواقع بهدف اعتقاله.
الصنمين.. عملية أمنية تحولت إلى اشتباك واسع
بحسب المعطيات التي رافقت العملية، كانت المهمة الأمنية تستهدف توقيف مطلوب بقضايا أمنية وجنائية، قبل أن تواجه القوة المداهمة إطلاق نار من مجموعة مسلحة موجودة في المنطقة.
وتقول الجهات الأمنية إن المجموعة رفضت تسليم أفرادها بعد منحها مهلة لذلك، الأمر الذي أدى إلى انتقال العملية من محاولة توقيف محددة إلى مواجهة مسلحة داخل الأحياء.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المطلوب المستهدف هو “وليد السعادين”، الذي تقول الإفادة التي زودتنا بها إنه أحد قياديي المجموعة المرتبطة سابقاً بـ”محسن الهيمد”. ولم نتمكن من العثور على تأكيد رسمي مستقل حتى الآن يحدد هوية المطلوب بالاسم.
وتفيد المعطيات نفسها بأن عدداً من المسلحين تحصنوا داخل أبنية سكنية، وهو ما يزيد تعقيد أي عملية أمنية في منطقة مكتظة بالسكان، ويجعل فرض حظر التجوال جزءاً من محاولة عزل منطقة الاشتباك وتقليل المخاطر على المدنيين.
ماذا تقول السلطات عن المجموعة؟
البيان الرسمي الصادر اليوم وصف المجموعة بأنها “خارجة عن القانون”، ولم يذكر في تفاصيله الحالية ارتباطها بتنظيم “داعش”.
لكن تقارير سابقة عن مجموعة “محسن الهيمد” تحدثت عن وجود عناصر مرتبطة بتنظيم “داعش” داخل المجموعة، إلى جانب ارتباطها السابق بفرع الأمن العسكري في عهد النظام السابق. وذكرت “الجزيرة” في آذار 2025 أن المجموعة كانت تعمل لصالح الأمن العسكري، وأنها احتضنت عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية في الصنمين.
كما نقلت تقارير أخرى اتهامات للمجموعة بارتكاب عمليات قتل وخطف وانتهاكات داخل المدينة، وهي اتهامات وردت في سياق صراعات مسلحة متكررة شهدتها الصنمين خلال السنوات الماضية.
لماذا تتكرر الاشتباكات في الصنمين؟
في أيار 2019، شهدت الصنمين مواجهات بين قوات النظام السابق ومجموعات محلية، بعد محاولات اعتقال قياديين سابقين في فصائل المعارضة، وترافقت الأحداث مع حصار للمدينة واستقدام تعزيزات عسكرية إليها.
وفي أيلول وتشرين الأول من العام نفسه، تجددت المواجهات داخل المدينة بين مجموعات محلية وقوات النظام، فيما شهدت أحياء الصنمين اشتباكات متكررة وهجمات على حواجز ومقار أمنية.
لكن التحول الأبرز جاء مع بروز مجموعة “محسن الهيمد” في السنوات الأخيرة، ففي نيسان 2024، اندلعت اشتباكات عنيفة في حي الجورة بمدينة الصنمين بين مجموعة الهيمد ومجموعة أخرى، بعد مقتل ثمانية أطفال بانفجار عبوة ناسفة، وفق تقارير حقوقية ومحلية آنذاك. وأسفرت المواجهات عن سقوط قتلى وجرحى من أفراد المجموعتين ومدنيين.
وفي كانون الثاني 2025، تجدد القتال داخل الصنمين بين مجموعة الهيمد ومجموعات محلية أخرى، بعد اغتيال القيادي “فهد الذياب”، قبل أن تتدخل “غرفة عمليات الجنوب” لوقف المواجهات.
آذار 2025.. المواجهة الأكبر مع مجموعة الهيمد
في 5 آذار 2025، نفذت إدارة الأمن العام بالتنسيق مع وزارة الدفاع عملية واسعة ضد مجموعة “محسن الهيمد” في الصنمين، وشهدت العملية اشتباكات عنيفة استخدمت خلالها أسلحة ثقيلة، وفرضت القوات الأمنية حصاراً على مواقع المجموعة في الحي الغربي من المدينة. وقالت مصادر حينها إن عناصر المجموعة كانوا يتحصنون داخل أبنية سكنية، الأمر الذي صعّب تقدم القوات بسبب وجود المدنيين.
وتباينت الحصيلة بين المصادر، لكن “الشرق الأوسط” نقل حينها مقتل ثلاثة من عناصر الأمن الداخلي ومسلح محلي، وإصابة مدنيين بينهم نساء وأطفال، بينما تحدثت مصادر أخرى عن حصيلة أكبر مع استمرار المعارك.
وفي اليوم التالي، أعلنت قوى الأمن السيطرة على مواقع المجموعة وإنهاء العملية العسكرية بعد نحو 24 ساعة من الاشتباكات، مع اعتقال عدد من أفرادها.
وهنا تبرز أهمية التطورات الحالية: فعودة الاشتباكات بعد أكثر من عام على العملية الواسعة تشير إلى أن ملف المجموعات المسلحة في الصنمين لم يُغلق بالكامل، حتى بعد العمليات الأمنية السابقة.
من “الهيمد” إلى مواجهة جديدة
ما يميز تطورات اليوم أن العملية بدأت، وفق الرواية الرسمية، بمهمة محددة لإلقاء القبض على مطلوب، لكنها تحولت إلى اشتباك أدى إلى مقتل ثلاثة من عناصر الأمن الداخلي وإصابة آخرين.
وهذا يعيد إلى الواجهة سؤال السلاح المنتشر داخل بعض مناطق درعا، وقدرة الأجهزة الأمنية على تنفيذ عمليات توقيف داخل أحياء سكنية تضم مجموعات مسلحة تمتلك أسلحة وتحصينات.
وتكشف سوابق الصنمين أن المشكلة لا ترتبط بمجموعة واحدة فقط، بل بتراكمات أمنية تشكلت خلال سنوات الحرب، من بقايا مجموعات محلية، وشبكات مرتبطة بالأجهزة الأمنية السابقة، ومقاتلين سابقين، وسلاح لم يخضع بصورة كاملة لسيطرة الدولة.
وفي كانون الثاني 2026، ألقت مديرية الأمن الداخلي في منطقة الصنمين، بالتعاون مع فرع مكافحة الإرهاب في درعا، القبض على قياديين سابقين في الأمن العسكري، في إطار عمليات استهدفت عناصر مرتبطة بأجهزة النظام السابق.
لماذا تكتسب الصنمين أهمية أمنية خاصة؟
تقع الصنمين في ريف درعا الشمالي على محور رئيسي يربط الجنوب السوري بدمشق، ما يجعل أي اضطراب أمني فيها ذا انعكاسات تتجاوز حدود المدينة.
كما أن المدينة تحمل إرثاً ثقيلاً من الصراعات المحلية منذ سنوات، شهد خلالها السكان عمليات اغتيال وخطف واشتباكات وحصارات، إضافة إلى مواجهات بين مجموعات محلية وقوات النظام السابق.
وبعد سقوط النظام السابق، أصبحت المهمة أمام السلطات الجديدة أكثر تعقيداً: الانتقال من واقع أمني متعدد القوى إلى احتكار الدولة للسلاح وفرض القانون، من دون تحويل عمليات التوقيف إلى مواجهات واسعة داخل المناطق السكنية.
وتشير تجربة آذار 2025 إلى أن القوات الحكومية واجهت بالفعل صعوبة في التعامل مع مجموعات متحصنة داخل الأحياء، واضطرت إلى إرسال تعزيزات وفرض حظر للتجوال.
مقتل ثلاثة من الأمن.. ما الذي تغير هذه المرة؟
المؤكد حتى الآن أن ثلاثة عناصر من قوى الأمن الداخلي قتلوا خلال مهمة أمنية، فيما أصيب آخرون، وفرضت قيادة الأمن الداخلي في درعا حظر تجوال مؤقتاً، مع استمرار ملاحقة أفراد المجموعة.
أما إصابة المرأة خلال الاشتباكات، فهي واردة في المعطيات الميدانية التي سبقت إعداد التقرير، لكنها لم ترد في البيان الرسمي الذي نشرته “سانا” حتى وقت إعداد هذه المادة، لذلك لا يمكن اعتبارها حصيلة رسمية نهائية.
ولا تزال تفاصيل الخسائر في صفوف المجموعة المسلحة، وعدد أفرادها، وما إذا كانت العملية ستتوسع إلى أحياء أخرى، غير معلنة رسمياً.
الصنمين أمام اختبار أمني جديد
تضع اشتباكات اليوم السلطات السورية أمام اختبار مختلف عن عمليات التوقيف التقليدية. فالمواجهة لم تقع في منطقة عسكرية معزولة، وإنما داخل مدينة سبق أن شهدت جولات متكررة من العنف، وتوجد فيها ذاكرة ثقيلة من الصراعات المسلحة.
وبينما تقول السلطات إن هدفها هو ملاحقة المطلوبين وفرض الأمن، فإن استمرار العملية داخل الأحياء يجعل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة الاشتباكات عاملاً أساسياً في مسارها.
وفي انتظار انتهاء العملية وصدور حصيلة رسمية كاملة، تبقى الصنمين مثالاً واضحاً على أحد أصعب الملفات الأمنية في درعا: كيف يمكن للدولة أن تستعيد احتكار السلاح وتفرض القانون في منطقة راكمت فيها سنوات الحرب شبكات مسلحة ومصالح أمنية متداخلة، من دون أن تتحول كل عملية توقيف إلى مواجهة واسعة داخل المدن؟
- محمد جابر






