حلوى البقلاوة (خاص مؤسسة جولان الإعلامية)

أعادت الخطوة المشتركة التي اتخذتها تركيا وأذربيجان لتسجيل البقلاوة على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، الجدل التاريخي حول أصل واحدة من أشهر الحلويات في العالم، والتي تتشارك شعوب الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز في اعتبارها جزءاً من هويتها الغذائية.

فقد أعلنت وسائل إعلام تركية أن أنقرة وباكو قدمتا ملفاً مشتركاً لإدراج البقلاوة تحت الاسمين “Baklava” و”Pakhlava”، على أن تنظر اللجنة الحكومية الدولية التابعة لليونسكو في الطلب خلال دورتها الحادية والعشرين المقرر عقدها في مدينة شيامن الصينية بين 30 نوفمبر و5 ديسمبر 2026.

ورغم أن هذه الخطوة أعادت إلى الواجهة الجدل حول “أصل” البقلاوة، فإن خبراء التراث يؤكدون أن إدراج أي عنصر في قوائم اليونسكو لا يمنح دولةً ملكيةً حصرية له، بل يعترف بالممارسات الثقافية المرتبطة به داخل مجتمع معين، وهو ما يفسر وجود العديد من عناصر التراث المسجلة بملفات مشتركة بين أكثر من دولة.

جذور أقدم من الدولة العثمانية

يُجمع مؤرخو الغذاء على أن الشكل الحديث للبقلاوة تطور خلال العهد العثماني، إلا أن جذورها تعود إلى فترات أقدم بكثير.

فأقدم كتب الطبخ العربية التي وصلت إلينا، ومنها كتاب الطبيخ لابن سيار الوراق (القرن العاشر الميلادي)، ثم كتاب الطبيخ لمحمد بن الحسن البغدادي الذي أُلّف في بغداد عام 1226م، توثق صناعة حلويات تعتمد على رقائق العجين الرقيقة، واللوز أو الفستق، والعسل أو الشراب السكري، وهي العناصر الأساسية التي تطورت منها البقلاوة لاحقاً.

ورغم أن اسم “البقلاوة” لا يرد صراحة في تلك المؤلفات، فإن الباحث الأمريكي Charles Perry يرى أن حلوى اللوزينج (Lauzinaj) تُعد أقرب الأسلاف التاريخية للبقلاوة، وأن تقنيات إعداد الحلويات متعددة الطبقات كانت معروفة في المشرق الإسلامي قبل العصر العثماني بقرون.

في المقابل، يرى مؤرخون أتراك أن الدولة العثمانية لعبت الدور الأكبر في تطوير البقلاوة إلى شكلها الحالي ونشرها في الأناضول والبلقان، مستندين إلى سجلات القصر العثماني وطقوس “موكب البقلاوة” الذي كان يقام خلال شهر رمضان لتوزيعها على فرق الإنكشارية.

حلب ودمشق في رواية أشهر عائلات البقلاوة التركية

ومن أبرز الروايات المتداولة في تاريخ البقلاوة، تلك التي ترويها عائلة Elmacı Pazarı Güllüoğlu، التي تدير أحد أقدم محال البقلاوة في مدينة غازي عنتاب.

وبحسب مقابلة أجرتها إذاعة NPR الأمريكية مع الشقيقين جودت غُلّو ومراد غُلّو، وهما من الجيل السادس للعائلة، فإن جدهم الأكبر غُلّو جلبي خرج في منتصف القرن التاسع عشر ضمن قافلة الحج المتجهة إلى مكة، ومرّ خلال رحلته بمدينتي حلب ودمشق، حيث شاهد للمرة الأولى محالاً متخصصة ببيع البقلاوة المحشوة بالجوز. وعندما عاد إلى مدينة عنتاب، التي كانت تُعرف آنذاك باسم “عنتاب”، قرر افتتاح محل متخصص بصناعة البقلاوة عام 1871 مستلهماً ما شاهده في المدن السورية.

ويقول مراد غُلّو في المقابلة إن العائلة “صنعت النسخة التي شاهدتها في محال حلب ودمشق، لكنها مع مرور الوقت، وبفضل الخبرة واستخدام المكونات المحلية في عنتاب، طورت ما يُعرف اليوم ببقلاوة غازي عنتاب”. وأضاف أن التطوير شمل استخدام رقائق عجين أكثر رقة، والانتقال من العسل ودبس العنب إلى القطر السكري، ثم استبدال الجوز بالفستق الحلبي الذي اشتهرت به المنطقة.

وتُعد هذه الرواية من أهم الشهادات التي تتحدث عن انتقال خبرات صناعة البقلاوة بين بلاد الشام والأناضول، لكنها لا تقول إن جد العائلة تعلم صناعة البقلاوة في حلب على يد صُنّاعها، وإنما تنص بوضوح على أنه شاهد محال البقلاوة في حلب ودمشق، وتأثر بما رآه، ثم عاد إلى عنتاب ليطوّر وصفته الخاصة اعتماداً على المكونات المحلية. لذلك لا يمكن الاستناد إلى هذه الشهادة وحدها لإثبات أن منشأ البقلاوة كان في سوريا أو في غازي عنتاب، بل إنها تعكس حركة انتقال المعارف والحرف بين مدن المنطقة خلال القرن التاسع عشر.

هل تعود البقلاوة إلى الآشوريين؟

تذهب بعض الدراسات إلى أن جذور البقلاوة قد تعود إلى العصر الآشوري في القرن الثامن قبل الميلاد، حيث كانت تُحضّر طبقات من الخبز الرقيق تتخللها المكسرات والعسل في المناسبات الخاصة.

كما يربط باحثون آخرون بينها وبين الحلوى اليونانية القديمة Plakous، التي كانت تتكون من طبقات من العجين والعسل والجبن.

إلا أن معظم مؤرخي الطعام يشيرون إلى أن هذه الفرضيات تتعلق بأسلاف البقلاوة، وليس بالبقلاوة بصورتها الحالية، إذ لا يوجد حتى الآن دليل تاريخي قاطع يثبت أن الشكل المعروف اليوم للحلوى وُجد في تلك العصور.

إرث تتقاسمه شعوب المنطقة

ورغم استمرار الجدل حول منشأ البقلاوة، فإن كثيراً من الباحثين يرون أنها تمثل نموذجاً للإرث الثقافي المشترك الذي تشكل عبر قرون من التبادل التجاري والثقافي بين بلاد الرافدين وبلاد الشام والأناضول والبلقان والقوقاز.

ويؤكد هؤلاء أن لكل منطقة بصمتها الخاصة في إعداد البقلاوة، سواء من حيث نوع المكسرات أو عدد طبقات العجين أو طريقة إعداد القطر، الأمر الذي يجعلها جزءاً من ذاكرة غذائية مشتركة، أكثر من كونها اختراعاً يمكن نسبته بصورة قاطعة إلى دولة واحدة.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top