لم يكن الطفل الذي تعرّض لعضة كلب شارد في بلدة الحسينية قبل أيام أول الضحايا، على الأرجح لن يكون الأخير. الحادثة أعادت إلى الواجهة مشكلة تتفاقم بصمت في بلدات جنوب دمشق، حيث بات انتشار الكلاب الشاردة جزءاً من المشهد اليومي في الحسينية والذيابية وحجيرة ومحيطها.
في ساعات الصباح الباكر، وأثناء توجه الأطفال إلى مدارسهم، تنتشر مجموعات من الكلاب في الشوارع الفرعية وعلى أطراف الطرقات. مشهد يصفه السكان بأنه مصدر قلق دائم، خصوصاً مع تزايد حوادث العض والهجوم خلال الأشهر الماضية.
بحسب مصادر طبية في مستشفى ابن زايد على طريق مطار دمشق الدولي، استقبل المشفى خلال الفترة الأخيرة نحو عشرين حالة إصابة ناجمة عن عضات وهجمات كلاب شاردة، ما يشير إلى أن المشكلة لم تعد حالات فردية متفرقة، بل تحولت إلى ظاهرة تتطلب تدخلاً منظماً.
أطفال في الواجهة
الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للخطر. فالشوارع التي يستخدمونها يومياً للوصول إلى مدارسهم أو للعب في الأحياء السكنية أصبحت مسرحاً لتحركات الكلاب الضالة.
أهالٍ في الحسينية أكدوا أن مخاوفهم تتزايد مع كل حادثة جديدة، خاصة في ظل غياب حملات فعالة للحد من انتشار الكلاب أو مراقبة أماكن تجمعها. ويقول بعض السكان إنهم باتوا يرافقون أبناءهم لمسافات طويلة خشية تعرضهم لهجمات مفاجئة.
إصابات متكررة ونقص في الإمكانات
في تصريح خاص لمؤسسة جولان، قال السيد مضر، وهو ممرض في مركز “السيدة زينب الصحي”: “إن آخر حالة تعامل معها المركز كانت لطفل يبلغ من العمر 12 عاماً تعرض لعضة كلب قبل نحو شهرين”.
وأضاف أن المركز استقبل قبل ذلك رجلاً في الأربعين من عمره كانت إصابته شديدة، مشيراً إلى أن مثل هذه الحالات ليست نادرة في المنطقة.
لكن المشكلة لا تتوقف عند الإصابات نفسها.
يوضح “مضر” أن المراكز الصحية تعاني نقصاً في بعض المواد الأساسية اللازمة للتعامل مع عضات الكلاب، وعلى رأسها المصل المضاد لداء الكلب، والذي لا يتوافر إلا في المستشفيات الحكومية. ولذلك يتم تحويل المصابين مباشرة إلى تلك المستشفيات لاستكمال العلاج وتلقي اللقاحات اللازمة.
ما الذي يغذي الظاهرة؟
يربط سكان ومتابعون محليون بين انتشار الكلاب الشاردة وتراكم النفايات والأنقاض في عدد من المناطق الجنوبية لدمشق.
فالمكبات العشوائية ومواقع الأنقاض توفر مصدراً دائماً للغذاء ومناطق مناسبة لتكاثر الكلاب، بينما أدى تأخر ترحيل النفايات في بعض الأحياء إلى زيادة أعدادها بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
ويرى أهالٍ أن المشكلة أصبحت أكثر وضوحاً مع عودة العديد من الأسر للاستقرار في مناطقها بعد سنوات من النزوح، إذ اصطدمت العودة بواقع خدمي هش، يتجلى في ضعف خدمات النظافة وقلة النقاط الطبية ونقص الكوادر الصحية.
بين الخوف والانتظار
لا تقتصر تداعيات الظاهرة على الإصابات الجسدية. فالكثير من السكان يتحدثون عن حالة خوف مستمرة، خصوصاً لدى الأطفال والنساء وكبار السن.
ومع غياب إحصاءات رسمية معلنة حول أعداد الكلاب الشاردة أو حجم الإصابات السنوية الناتجة عنها، يبقى الأهالي معتمدين على الشكاوى الفردية والحوادث المتكررة لإيصال صوتهم إلى الجهات المعنية.
الحاجة إلى استجابة تتجاوز الحلول المؤقتة
يرى مختصون صحيون وسكان محليون أن معالجة المشكلة تتطلب خطة متكاملة تشمل إزالة مكبات النفايات والأنقاض، وتنفيذ حملات منظمة للسيطرة على الكلاب الشاردة، وتأمين اللقاحات والأمصال في المراكز الصحية القريبة من السكان، إلى جانب تعزيز عدد الكوادر الطبية ونقاط الإسعاف.
حتى ذلك الحين، تبقى شوارع الحسينية والذيابية وحجيرة مساحة مفتوحة لمواجهة يومية غير متكافئة، يدفع ثمنها الأطفال أولاً، فيما ينتظر الأهالي حلولاً تضع حداً لخطر بات جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية.
- هبة السيد






