المجرم أمجد اليوسف مرتكب مجزرة التضامن مؤسسة جولان

ليست القضية أن أمجد يوسف اعتُقل.
القضية أن سوريا اكتشفت مرة أخرى أن ما رأته في فيديو واحد قد يكون مجرد نافذة صغيرة على جريمة أكبر بكثير.
فالرجل الذي ظهر وهو يقتل بدم بارد، ويدفن ضحاياه وكأنه ينفذ مهمة إدارية عادية، لم يولد من فراغ. ولم يكن جزيرة معزولة في بحر من الأبرياء. ولم يكن خللا فرديا في مؤسسة سليمة. هو ابن منظومة كاملة.
 
منظومة صنعت الخوف، وحوّلت القتل إلى إجراء، وأقنعت آلاف الأشخاص أن حياة الإنسان يمكن أن تُمحى بتوقيع أو تقرير أو إشارة من ضابط أعلى رتبة.
ولهذا يجب أن يكون السؤال: من التالي؟  قبل أن نسأل: ماذا سيكون مصيره؟
 
عندما تتستر امرأة على جريمة أطفال
في قضية الدكتورة رانيا العباسي، برز اسم لا يمكن تجاوزه: انتصار شحود.
امرأة عرفت (وفق ما كشفت التحقيقات) أن الأطفال الذين ظهروا في الفيديو هم أولاد رانيا العباسي. عرفت أنهم يُقتلون. وعرفت أنهم يُدفنون. ومع ذلك، كذبت وبازرت بمحتوى شديد الأهمية مدعية أن الفيديوهات مخلة بالسلم الأهلي مرة، وعدم رضاها على الحكومة المتأسلمة حسب رأيها مرات كثيرة. وبهذا تكون دافعت بشكل أو بأخر عن زومبي الدم أمجد يوسف، وروّجت لرواية مضللة، وحاولت بثّ الغبار على الحقيقة لتمنح القاتل مزيدا من الوقت، ومزيدا من الحماية، ومزيدا من الإفلات. وتتسلى بوجع أهالي الضحايا والمفقودين.
 
انتصار شحود ليست مجرد شاهدة رأت ولم تقل. إنها جزء من سلسلة التغطية. جزء من آلة التضليل. وجزء من ثقافة إجرامية متكاملة جعلت من إخفاء الأطفال أسهل من إخفاء وثيقة.
 
وكل من يتاجر بالفيديوهات اليوم (ينشرها ويُبقيها كسلعة إعلامية أو أداة مساومة) هو امتداد لهذه الثقافة ذاتها. ثقافة تستغل الموت بدل أن تكشفه. ثقافة تؤجل العدالة بدل أن تسرعها. ثقافة تتعامل مع الدم السوري كأنه مشهد قابل للتفاوض.
 
من القاتل إلى القيادة: سلسلة لا تنتهي بالإمساك بواحد
في كل دول العالم التي مرت بتجارب مشابهة، لم تتوقف العدالة عند المنفذ الأخير. في الأرجنتين وتشيلي ويوغوسلافيا السابقة ورواندا، كان التحقيق يبدأ من الجريمة ثم يصعد إلى الأعلى، بحثا عن شبكة القرار والمسؤولية.
 
أما في سوريا، فما زالت آلاف الملفات تنتظر من يفتحها.
 
ملفات الأطفال. وملفات النساء. وملفات المعتقلين. وملفات المقابر الجماعية. وملفات المفقودين. وملفات الذين اختفوا دون أن يُعرف حتى اليوم أين انتهت حياتهم.
إن العدالة الحقيقية لا تكتفي بمعرفة اسم القاتل. العدالة تريد معرفة السلسلة كلها: من أول تقرير كُتب، إلى آخر رصاصة أُطلقت، ومن أول أمر صدر، إلى آخر شخص نفّذه.
 
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطارد النظام السابق وفلوله، وكل من حنّ إلى “الأيام الجميلة” التي تحدثنا عنها في الافتتاحية السابقة، هو:
أي أيام جميلة تلك التي كان يمكن فيها لضابط أو عنصر أو مخبر أن يمحو عائلة كاملة من السجل المدني ومن الحياة ومن الذاكرة؟ وأي حساب هذا الذي يتوقف عند مجرد قاتل واحد؟
 
فيديوهات تغيّر التوازنات.. وضغط دولي مطلوب اليوم وليس غدا
ربما استطاعت الفيديوهات.. تلك التي هزّت الضمير العالمي، أن تغيّر بعض التوازنات الدولية. وربما جعلت بعض العواصم تعيد النظر في علاقتها بمن وصفوهم يوما بـ”شركاء ضروريين”.
لكن التغيير الحقيقي لا يكتمل بالفيديوهات وحدها. إنها أداة، وليست هدف. والهدف هو:
 
رفع دعاوى رسمية أمام المحاكم الدولية ضد بشار الأسد، وماهر الأسد، ورؤساء الأفرع الأمنية، وكل من أصدر أو نفّذ أو غطّى.
وتكثيف التحقيقات مع كل مجرم يُلقى القبض عليه، لاستخراج ما يعرفه عن الهيكل القيادي، وعن أوامر العمليات، وعن المقابر الجماعية، وعن دور روسيا في حماية هذه الآلة.
والضغط على روسيا دبلوماسيا، وقانونيا، وإعلاميا، لتسليم كبار المجرمين الفارين، بدءا من بشار الأسد وماهر الأسد، وصولا إلى كل من تورط في جرائم ضد الإنسانية. فاستضافة موسكو لهؤلاء أصبحت تواطؤا في استمرار الإفلات من العقاب.
 
ماذا تفعل سوريا الجديدة؟
على الحكومة السورية، والمنظمات الحقوقية، والهيئات المعنية بالمفقودين، والجهات القضائية الدولية، أن تنظر إلى قضية أمجد يوسف باعتبارها بداية.
بداية طريق طويل نحو الحقيقة. وبداية معركة قانونية تهدف إلى تحديد المسؤوليات على مختلف المستويات.
 
الحلول العملية المطلوبة اليوم:
1. إنشاء ملف وطني شامل للجرائم الكبرى، يجمع الشهادات والأدلة والوثائق وأوامر العمليات وسلاسل القيادة، ويكون جاهزا للإيداع أمام المحاكم الدولية.
2. تفعيل آلية التحقيق المكثف مع كل معتقل من فلول النظام، بحيث لا تقتصر محاكمته على ما هو ثابت ضده شخصيا، وإنما تُستخدم معرفته كمدخل لكشف شبكات أوسع.

3. رفع دعاوى متزامنة أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحاكم الاختصاص في الدول الأوروبية التي تسمح بقانون العدالة العالمية (مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا)، مستندة إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
4. تشكيل فريق ضغط دولي متخصص، يضم محامين دوليين ونشطاء وصحافيين، هدفه إبقاء قضية التسليم الروسي حية على طاولة كل مفاوضات سياسية وأمنية تتعلق بسوريا.
5. محاكمة المتسترين والمتاجرين بالفيديوهات قانونيا، سواء داخل سوريا أو عبر المحاكم الدولية، بوصفهم شركاء في إخفاء الحقيقة أو استغلال الألم السوري لأغراض سياسية أو مادية.
 
الدم لا يصبح مباحاً لأن القاتل ارتدى زياً رسمياً
لقد أثبت التاريخ أن بعض الأنظمة تسقط أسرع من سقوط ملفاتها. وبعض المجرمين يهربون أسرع من هروب جرائمهم.
لكن العدالة، مهما تأخرت، تملك ميزة لا يملكها الطغاة: أنها لا تموت بالتقادم الأخلاقي.
 
إن دماء أطفال رانيا العباسي، وأطفال كثر قتلوا بنفس الطريقة، وبنفس الوحشية، وبنفس الإفلات، لم يحملوا سلاحا، ولم يشاركوا في حرب، ولم يهددوا أحدا. كل ما فعلوه أنهم وُلدوا في زمن ظن فيه بعض المجرمين أن بإمكانهم قتل الناس وإخفاءهم إلى الأبد.
 
لكن الحقيقة، مهما تأخرت، تصل.
وها هي تصل اليوم محمّلة بوجع وطن كامل.
 
فبعد أمجد يوسف.. وبعد انتصار شحود.. وبعد كل من ساند أو برر أو ستّر..
 
يبقى السؤال الذي يجب ألا يتوقف السوريون عن طرحه، على طاولات المحاكم الدولية، وفي قنوات الضغط الدبلوماسي، وفي كل منصة يمكن أن تُسمع فيها:
 
من التالي؟ ومتى؟ ومن سيدفع الثمن؟

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top