نهاية السبعينات حطّت طائرة الرئيس الأمريكي في بيشاور، معلنة للعالم مرحلة بداية نهاية الحرب الباردة، من خلال إحاطة الشيوعية بجدار الدين. وسبق ذلك ترتيبات بالعالم أجمع، وخاصة الشرق الأوسط والشرق الأدنى، حيث تم الإتيان بالنظام الخميني الشيعي بعد انتهاء دور الشاه، وذلك لمواجهة ما يسمى “الصحوة الإسلامية” بين قوسين مطلع السبعينات، ثم استنزافه بحرب مع النظام العراقي لحفظ التوازن، حيث كانت حرباً عربية فارسية بنكهة دينية، وذلك بتمويل قطبي العالم حينها، مع تحصين أمن إسرائيل حسب مبادئ أيزنهاور الخمسة وشروط وجود إسرائيل، بتقييد جيوش الطوق الخمسة عبر معاهدات سلام، والإتيان بنظام البعث الطائفي في سورية وإدخاله إلى لبنان ليقضي على بقايا الفلسطينيين، ولتأمين حدود إسرائيل الشمالية والجولان، باستنزاف السوريين في لبنان خدمة لإسرائيل كثمن للبقاء في السلطة.
بدأ المخطط الأمريكي بتوريط السوفيات في المستنقع الأفغاني، والتحالف مع العرب، وإصدار فتوى من سبعين عالماً سنياً، وبغطاء رسمي، بضرورة الجهاد ضد السوفيات كونهم ملاحدة ضد الدين. ولم تأتِ نهاية الثمانينات حتى تم الإعلان عن سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار جدار برلين، ونهاية الحرب الفارسية العراقية، ونهاية المرحلة الباردة، وأصبحت أمريكا القطب الأوحد الحاكم بالعالم. وأصدر فوكوياما الأمريكي ذو الأصول اليابانية أطروحته الشهيرة “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، ويقصد بذلك أن النظام الليبرالي هو النظام الأصلح للبشرية وقيادة العالم.
ولكن لم تلبث بضعة سنوات قليلة حتى أصدر هنتنغتون، منتصف التسعينيات، كتاب “صراع الحضارات”، مستمداً أفكاره من فلسفة هيغل ونيتشه، بأن الحروب والصراعات هي المحرك الأول للتاريخ، وأن أمريكا ستبقى في صراع مع خمس حضارات بعد تخلصها من العدو الأحمر، وربما تتدخل بصراع مع الصين والبوذية والإسلام. فأعلنت الحرب على المجاهدين العرب العائدين من أفغانستان والشيشان للتخلص منهم قبل استفحال أمرهم، مما ولد ردة فعل قوية وعنيفة ضد أمريكا وتواجدها بسبب انقلابها عليهم. وبدأت أمريكا باختراقهم وحرفهم حتى نجحت بإقناع العالم أنهم وراء أحداث سبتمبر، لتكون ذريعة دخول أفغانستان التي تقع على بحر من المعادن الثمينة، ثم إنهاء نظام صدام وتسليم العراق لإيران حسب توصيات “راند”، أنه لا بد من دعم الأقليات في الوطن العربي حتى تبقى ثرواته تحت السيطرة.
وهذا ما حصل، فقد دخلت أمريكا العراق واستنزفت في أفغانستان، ولكن مع اندلاع الربيع العربي، وخاصة الثورة السورية، كان المجاهدون العرب، ومنهم السوريون، قد اكتسبوا خبرة في العراق، وكيف تصنع المخابرات الدولية الجماعات الجهادية وتخترقها وتوجهها لضرب الإسلام السني حسب توصيات “راند”. فكانت الثورة السورية والساحة الشامية مرحلة كسر العظم بين المجاهدين القادمين من الخارج وغرف “الموك” و”الموم”، التي كانت تدار من ممثلين عن قوى مجلس الأمن وإسرائيل والنظام البائد وغيرهم من دول ممولة لهم.
لكن استمرار الثورة السورية، وعزيمة ووعي الشعب السوري، أفشل مخططات العالم أجمع، الذي وقف عاجزاً أمام إجهاضها، رغم إجبار أمريكياً روسيا على التدخل في سورية نهاية سنة 2015، بما عرف بمحادثات كيري ولافروف، وذلك لحماية قطعان سليماني وميليشيات إيران خلال معاركها مع الثورة السورية.
ولم يأتِ صيف سنة 2022 حتى أيقنت أمريكا أن الشعب السوري لن يتراجع قبل إسقاط النظام، والذي أصبح بحكم الميت سريرياً، وأنه لا بد من بديل قوي حتى لا تتحول سورية إلى مستنقع يفجر منطقة الشرق الأوسط كاملاً، ويصبح بيئة جاذبة لكل ما هب ودب. وأصدر سيناتور أمريكي، متهكماً على العلمانيين العرب والسوريين وسذاجتهم بقراءة التاريخ، قائلاً إن النيو ليبراليين منتظرون من أمريكا أن تأتي لحكم بلادهم على دبابة أمريكية كما حصل في العراق، ولكن هذا زمان ولّى وانتهى، لأن أمريكا تنظر لسورية وغيرها وفق مصلحتها بغض النظر عمن سيحكم.
ولم تجد أمريكا خياراً في سورية إلا بالتخلي عن نظام الأسد والقبول بالأمر الواقع، والكتلة الأكثر صلابة على الأرض، وهي هيئة تحرير الشام، التي فرضت نفسها ونسّقت مع الدول الكبرى، وطمأنت الجميع لسورية الجديدة، فكانت معركة ردع العدوان كصفقة ثورية ناجحة، والتي توجت قرابة 14 سنة من آلاف المعارك مع النظام البائد.
وكان انتصار الثورة السورية بمعركة ردع العدوان، ووصول جماعات مصنفة لحكم سورية ثم إلغاء التصنيف تحت ضغط الشعب السوري والتفافه حول قيادته الجديدة، بمثابة إعلان نهاية النظام العالمي القديم، ونهاية التاريخ الليبرالي، والقبول بتعدد الحضارات والأديان. فانتصار الثورة السورية بداية مرحلة جديدة ونهاية نظام عالمي منذ الحرب العالمية الثانية.
لكن الغرب، وخاصة أمريكا، التي تخيط وتنسج العالم بسنارة غزلها، رغم قبولها الاضطراري بذلك، هي اليوم بأمس الحاجة للعرب والسنة عموماً في حربها ضد الصين، التي تكاد تبلع العالم اقتصادياً. فتفوق أمريكا اليوم ليس عسكرياً بل اقتصادياً، ولا بد من حصار الصين، والبدء بتفكيك تحالفات “بريكس” و”شنغهاي”، وفضيحة الإيغور ضد المسلمين، وكل ذلك لإضعاف الصين اقتصادياً ووقف ضخ النفط لها من إيران ومضيق هرمز من دول الخليج لخنقها، خاصة أن مشروع “الطوق والطريق” وطريق الحرير لم ينجح بعد.
فالطبل، كما يقولون، كان في أفغانستان، ولكن العرس في موسكو، واليوم الطبل في طهران ولكن العرس في بكين. وإيران خرجت عن الخطوط الحمر، وبدأت تعتبر نفسها سيدة لا خادمة بسبب الدلال الأمريكي، فكان لا بد من ترويضها وإعادة إنتاج نظام متكامل من جديد، والذي سيكون عبارة عن ابن سفاح للنظام الحالي، لأنها بحاجة دائماً لعدو عقدي للمسلمين. فالدين هو من يسير الشعوب وليس العلم، ولا يوجد حالياً بديل على الطاولة غير إيران وميليشياتها و”داعش” كورقة جوكر يتم لعبها وجعلها سيفاً مسلطاً ضد كل من يفكر بالخروج عن قواعد اللعبة.
فالحرب الإيرانية بالوكالة ستنتهي اليوم، وينتج نظام إيراني ابن سفاح، وستجلس الصين على الطاولة للتفاهم على اقتسام العالم مجدداً، وروسيا الفاشلة اقتصادياً تعتبر بلطجي أمريكا بعد إيران وإسرائيل ضد الصين والأوروبيين، وليس كما يضللون في الإعلام.
أما سورية، فكانوا مجبرين على إنهاء النظام البائد بسبب إصرار وعزيمة الشعب السوري، وكذلك تمهيداً للقضاء على حلفاء الصين وخروج إيران عن المسموح لها وتحالفها مع الصين بدل التوجه شرقاً، فقد توجهت غرباً، فكان خيار إسقاط النظام والمجيء بنظام مختلف عقدياً عن إيران بمثابة صفقة لهم التقت مع أهداف الثورة السورية، حيث يتم ضمان عدم حصول ردات فعل على حدود إسرائيل من سورية في حال تم القضاء على النظام الإيراني واستنبات نظام جديد.
وربما توقعوا أن الشعب الثائر سينقلب على العهد الجديد، وتفاجؤوا بالتفاف الشعب حوله، وسيجربون معها جميع الأقداح، فسيدخلونها بالثلاجة اقتصادياً، فربما يضجر الشعب الحر من العهد الجديد وينقلب عليه. وإذا نجح العهد الجديد بنسج خيوط اللعبة، وبقي معتصماً ومحافظاً على حاضنته الشعبية الثورية التي أوصلته للحكم، فسيرضخ العالم للأمر الواقع، وستصبح سورية أقوى دولة في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما لا تريده جل دول الجوار، فقوة سورية تعني تراجع دور الجوار، وستكون تابعة لدمشق حيث ستكون بوابة هذه الدول للعالم.
وإعلان ولادة نظام عالمي جديد بدل النظام الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونهاية توصيات “راند”، وذلك باللعب على المكشوف مع العرب والمسلمين بعد نصف قرن من تشويه الآخر واختراقه ودعشنته وترهيبه. لقد أصبح ذلك من الماضي، وأصبح القبول بتعدد الحضارات والأديان والثقافات عنوان النظام الجديد، وليس “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” و”صراع الحضارات”.






