المجرم أمجد اليوسف مرتكب مجزرة التضامن مؤسسة جولان

ليس يوماً عادياً يعيشه السوريون اليوم، بعد خبر اعتقال مجرم من مجرمي المذبحة السورية طيلة السنوات الفائتة من عمر الثورة السورية، ومواجهة الشعب بأبشع أساليب التعذيب والخطف والاغتصاب والقتل الجماعي. يومٌ كهذا، على أهميته، لا يمر كخبر عابر في نشرات الأخبار، بل كحدث يضرب عميقاً في وجدان مجتمعٍ أنهكته الذاكرة، واعتاد أن يوازن بين تركة ثقيلة ومستقبل واعد وآمن في آنٍ واحد.

هذا اليوم، على أهميته، يفتح باباً مؤلماً لكل سوري، ولكل بيت فقد أخاً أو أباً، أو أختاً اغتُصبت ولا يستطيع الاعتراف بينه وبين نفسه. يفتح الباب، رغم الفرح بإلقاء القبض على مجرم غير عادي، على ذاكرةٍ مشبعة بالألم والغصات الكبيرة التي أفضت إلى مجتمعٍ لا يثق بعضه ببعضه. هي لحظة مكاشفة قاسية، لا تكتفي باستعادة الماضي، بل تعيد طرحه كسؤالٍ مفتوح على الحاضر والمستقبل.

هذه الجرائم التي حدثت، وأجزم أن بشاعة النظام المخلوع وأجهزته الأمنية لم ولن تتكرر في تاريخ البشرية، تحيلنا إلى حجم العمل الذي ينتظره السوريون في مسار العدالة الانتقالية، ومحاسبة كل فرد، وعسكري، وصف ضابط، وضابط، تورط وأوغل في دماء الأبرياء. فالمسألة لم تعد مجرد توثيق أو سرد، بل استحقاق قانوني وأخلاقي يفرض نفسه على أي مشروع لبناء دولة جديدة.

وأجزم أنها لا تخلو قرية ومدينة، بل وبيت اليوم، من غصة كبيرة. كُثر يقولون في قرارة أنفسهم: أريد قاتل أخي، ومغتصب أختي. أريد حقي ممن هجّرني قسراً طيلة سنوات. أريد أن أرى سجاني الذي صعقني بالكهرباء وعلقني جسداً مرمياً. أريد أن أعرف من كتب بي تقريراً كيدياً أدى لاعتقالي سنوات. وثمة من تريد أن ترى قاتل زوجها، ومُيتم أطفالها. هي مطالب لا يمكن اختزالها بشعار، ولا احتواؤها ببيان سياسي، لأنها تعبير مباشر عن جرحٍ لم يلتئم.

العدالة الانتقالية مطلب كل سوري ذاق الويلات على يد النظام المخلوع وأفرعه ومفارزه الأمنية وشبيحته، الذين انتشروا في المدن والبلدات والقرى ووثقوا جرائمهم بأنفسهم عبر مباهاتهم بالتصوير، ولم يظنوا للحظة أنهم سيقعون… وستأتيهم العدالة يوماً. وبين لحظة التوثيق تلك، ولحظة الاعتقال اليوم، مسافةٌ تختصر تحولات كبرى، لكنها لا تُغلق الجرح.

القبض على مجرم واحد من آلاف المجرمين فرحة وغصة معاً في آن. لا يمكن لأي سوري أن ينسى قاتله، ولا يمكن أن ينسى من أطلق قذيفة عمياء من أحد التلال وقتل أخاه، ولا من أعطى الأمر. فالعدالة هنا ليست مجرد إجراء، بل حاجة وجودية لإعادة التوازن إلى حياةٍ اختلّت معاييرها.

إن العدالة الانتقالية أساس واضح وقاعدة لبناء مرحلة وطنية جديدة. لكن السؤال الأهم هنا: هل بالفعل نحن السوريين قادرون على بناء مجتمع سليم معافى، مبني على المواطنة؟ هل نستطيع بالفعل طيّ هؤلاء القتلة الذين لا يزالون منتشرين بيننا، وربما يتصدرون المشهد في بعض الدوائر والمؤسسات؟

هل يستطيع أهالي القنيطرة مسامحة القتلة الذين سحلوا جثث أبنائهم في دوار خان أرنبة؟ وهل سينسى السوري في الرقة والحسكة ودير الزور قاتل ذويه؟ وهل سيستطيع السوري في حمص أن يكبت جرح الاغتصاب والاعتقال لمئات من بنات المدينة في دمشق، فقط لكونهم من حمص أو من درعا أو من أية مدينة ثائرة؟

أسئلة كبيرة ومؤلمة، تتجدد مع كل حالة قبض على مجرم، وتمر بذاكرة ووجدان أي سوري عاش هذه اللحظات على مدى سنوات. وبين الفرح المشوب بالمرارة، يبقى الرهان الحقيقي: هل نكون أمام عدالة حقيقية، وملاحقة لكل فرد ومجرم، وضابط وصف ضابط ومدني قتل وروّع، وكان سبباً في انتهاك حرية وكرامة الإنسان السوري؟ أم أن الذاكرة ستبقى مفتوحة، والجرح موارباً؟

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top