في دمشق، لم تكن المظاهرات الأخيرة وإن بدت قليلة مجرد تحركات عابرة، بل انعكاس مباشر للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المعقد في سوريا اليوم … ولفهم هذه الأحداث، لا يكفي اختزالها في احتجاج واحد أو تفسيرها بمنظور موحد؛ فالمتظاهرون يأتون من خلفيات وغايات مختلفة، ولكل فئة دوافعها الخاصة التي تعكس تجربة حياتية مختلفة.
الحرية المكتشفة.. الفقراء الذين لم تعد أصواتهم صامتة
هناك من عانى الفقر سنوات طويلة، واليوم يجد أمامه مساحة واسعة للتعبير عن رأيه وانتقاد السلطة دون خوف من الاعتقال أو وجل من أهالي الشهداء والمعتقلين.
بالنسبة لهؤلاء، المظاهرات ليست مجرد احتجاج اقتصادي، بل إعلان عن أن الثورة والدولة الجديدة نجحتا في منح الناس مساحة كبيرة للمطالبة بالحرية والعدالة، وهو إنجاز يُحسب للمرحلة الجديدة وللحكومة الوليدة .
الغلاء كأقسى أنواع المعاناة.. فئة لم تعرف الحرب لكنها شعرت بها الآن
هناك من عاش في مناطق سيطرة النظام ولم يختبر معاناة الحرب الحقيقية، لكن الغلاء الطارئ أصبح اليوم محنةً حقيقية بالنسبة لهم. فخرج هؤلاء مطالبين بحقوقهم، رافعين أصواتهم ضد من اعتقدوا أنهم سبب معاناتهم.
هذه الاحتجاجات تؤكد أيضاً أن انتصار الثورة والدولة الجديدة وفرتا مساحة للمطالبة بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية، وأن المواطنين أصبحوا يملكون القدرة على التعبير المشروع عن حقوقهم ومطالبهم.
استغلال الفوضى .. فئة تلعب دور الضحية
ولا يمكن تجاهل فئة ثالثة وهي الأوسع، تأثرت مصالحها بسقوط النظام السابق، فاستغلت المظاهرات لركوب موجة الاحتجاج دون مواجهة أي مساءلة عن فسادها أو جرائمها السابقة.
هذا الاستغلال يكشف عن فجوة كبيرة في خطوات المحاسبة والعدالة الانتقالية، ويضع الدولة الجديدة أمام تحدٍ حقيقي لضمان أن الفوضى لا تتحول إلى مجال للاستغلال الشخصي.
التحدي الحقيقي .. التمييز بين احتجاج مشروع واستغلال فردي
فهم هذه الفروقات هو مفتاح قراءة الأحداث بدقة. المظاهرات ليست كلها متشابهة، ولا يمكن اختزالها في حكم مسبق على الناس.
الواقع معقد، وأصوات المواطنين مختلفة حتى لو خرجت في شارع واحد. أمام الدولة الجديدة تحدٍ مزدوج … الاستجابة لمطالب المواطنين الحقيقية، ومعالجة أخطاء الماضي التي تسمح للبعض باستغلال الفوضى.
من يدرك هذا الواقع، يمكنه التمييز بين الاحتجاج المشروع والصوت الاستغلالي، وهو السبيل الوحيد للحفاظ على مكاسب الثورة وتحقيق الحرية والعدالة لكل الفئات.
المظاهرات كمرآة للتغيير المستمر
المظاهرات الأخيرة في دمشق ليست مجرد احتجاجات ضد الغلاء أو صدى لمطالب اقتصادية، بل مرآة تعكس التغيرات المجتمعية العميقة، وتكشف عن أهمية وعي المجتمع بالديمقراطية والمساءلة. الحرية ليست مجرد كلمة، والعدالة ليست شعاراً؛ إنهما عملية مستمرة تتطلب تمييزاً بين من يطالب بحق مشروع ومن يسعى لاستغلال الظروف.
هذه الموازنة الدقيقة هي ما سيحدد مستقبل الدولة الجديدة ونجاح الثورة في تحقيق ما قامت لأجله.
- زياد الفحيلي






