محمد أحمد فارس طيار عسكري برتبة لواء، ورائد فضاء سوري

في التاسع عشر من نيسان/أبريل 2026، تمر الذكرى الثانية لرحيل اللواء الطيار محمد أحمد فارس، أول رائد فضاء سوري وثاني عربي يصل إلى الفضاء، الذي توفي في مدينة غازي عنتاب التركية عام 2024 عن عمر ناهز 73 عاماً بعد صراع مع المرض.

فارس لم يكن مجرد اسم في سجل الإنجازات العلمية، بل جسّد التقاء العلم بالحرية، إذ جمع بين ريادة الفضاء وموقف وطني شجاع بانحيازه للثورة السورية.

مسيرة علمية وعسكرية:

وُلد فارس في مدينة حلب عام 1951، ونشأ في بيئة تقدّر العلم وتنافس فيه الطلبة على التفوق. بعد حصوله على الثانوية العامة، التحق بالأكاديمية العسكرية السورية وتخرج عام 1973 ليصبح طياراً مقاتلاً على طائرة “ميغ 21” ومدرباً للطيران.

في عام 1985 اختير ضمن برنامج التعاون الفضائي بين سوريا والاتحاد السوفيتي، وبعد تدريبات مكثفة في دمشق وموسكو، انطلق في 22 تموز/يوليو 1987 على متن مركبة “سويوز TM-3” إلى محطة “مير”، حيث قضى سبعة أيام و23 ساعة وأجرى 13 تجربة علمية في الطب والجيولوجيا والكيمياء والاستشعار عن بعد.

هذه الرحلة جعلته رمزاً علمياً على مستوى العالم العربي، لكنه اصطدم لاحقاً بواقع التهميش في بلاده.

التهميش بعد الإنجاز:

رغم الإنجاز التاريخي، لم يحظ فارس بالدعم اللازم لتطوير مشروعه العلمي، إذ رفض النظام البائد مقترحه لتأسيس معهد قومي لعلوم الفضاء.

بل إن سلطات النظام البائد عمدت إلى تهميشه وإبعاده عن الحياة العامة، حيث عاش سنوات طويلة في عزلة قسرية، وهو ما عبّر عنه لاحقاً بقوله إن النظام “حجبه في المنزل تسع سنوات تقريباً”.

هذا التهميش كشف عن طبيعة النظام الذي لم يرَ في العلم قيمة إلا بقدر ما يخدم سلطته.

موقف وطني وانشقاق:

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، اتخذ فارس موقفاً جريئاً بانحيازه لمطالب الشعب السوري. في آب/أغسطس 2012 أعلن انشقاقه عن النظام، مؤكداً دعمه للثوار، ثم غادر إلى تركيا حيث عاش متنقلاً بين إسطنبول وغازي عنتاب.

هناك حصل على الجنسية التركية، وصُنّف لاحقاً من قبل الهلال الأحمر التركي كأول رائد فضاء تركي. واصل نشاطه العلمي والإنساني عبر محاضرات وندوات، مؤكداً أن الحرية والكرامة هما أعظم ما يملكه الإنسان.

إرث خالد ودلالات رحيله:

محمد فارس لم يكن مجرد رائد فضاء، بل كان رمزاً للطموح العلمي والشجاعة السياسية.

رحلته إلى الفضاء أثبتت قدرة المواطن السوري على تحقيق إنجازات عالمية، وموقفه مع الثورة جعله أيقونة للحرية والكرامة.

رحيله في المنفى جسّد مأساة جيل كامل من السوريين الذين حُرموا من وطنهم بسبب الاستبداد، لكنه في الوقت نفسه ترك إرثاً يذكّر الأجيال بأن العلم لا ينفصل عن الحرية، وأن الكرامة لا تُقاس بالمناصب بل بالمواقف.

في الذكرى الثانية لرحيله، يبقى محمد فارس شاهداً على أن المجد الحقيقي لا يُقاس بالأوسمة وحدها، بل بالمواقف التي تُسجل في ذاكرة الشعوب.

فارس الفضاء الذي حمل اسم سوريا إلى المدار، ثم حمل همومها في المنفى، يظل رمزاً للعلم والحرية معاً، وأيقونة في تاريخ السوريين الأحرار.

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top