يقال إن الحكومات الذكية تخطط للمستقبل. أما حكومتنا المجيدة، فقد قررت أن تخطط لمستقبلها عبر مراجعة الماضي.. ولكن بطريقتها الخاصة: كلما زادت الأزمة عمقاً، زادت الأسعار ارتفاعاً. وكأن المنطق يقول: إذا كان المواطن يغرق، فلنرم عليه حجراً.. ربما يتعلم السباحة.
بدأت الحكاية ببراءة. رفعوا سعر الخبز. قالوا: «إصلاح دعم». والناس الطيبة صدقت. بعضهم حتى صفق بحرارة، لأنه لم يتبق لديه طاقة للتصفيق ببرودة. ثم رفعوا سعر الكهرباء. وهنا بدأت الكوميديا السوداء الحقيقية. لا دراسة اقتصادية، ولا استشارة شعب، ولا أي شيء سوى قرار أتى مثل الصاعقة: من اليوم، الكهرباء أغلى.. ادفع أو اجلس في الظلام.
لكن سؤالاً صغيراً يزعجني: أي دراسة اقتصادية هذه التي ترفع سعر السلعة دون أن تسأل: هل الناس قادرة على الدفع أصلاً؟
لنكن واقعيين. كم نسبة الذين دفعوا فاتورة الكهرباء؟ 25%؟ 30% في الأحلام؟ الباقي قالوا لأنفسهم: «بحق الله، سأشتري شمعة.. الشمعة على الأقل تضيء ولا ترسل لي فاتورة الشهر القادم بـرسوم تأخير». الحكومة تظن أنها تزيد إيراداتها. والحقيقة أنها تضاعف أعداد المتخلفين عن الدفع. ليس لأنهم لصوص، ولكن لأنهم فقراء ولا حول لهم ولا قوة. وهناك فرق كبير بين الاثنين. اللص يسرق لأن لديه جرأة. بينما الفقير لا يدفع لأنه لا يملك.
وماذا استفادت الحكومة من هذه الزيادة؟
صفر. لا شيء. ولا حتى شكراً من أحد.
لكن الخسائر الحقيقية وقعت على المواطن العادي الذي لم يطلب من أحد شيئاً سوى أن يعيش بكرامة. هذه الزيادة تعني أن رغيف الخبز سيرتفع مرة أخرى لأن المخبز يستخدم الكهرباء. وسعر الخيار سيرتفع لأنه يُبرد بالكهرباء. وسعر الماء المعدني سيرتفع لأن مضخات المياه تعمل بالكهرباء. حتى سعر الشمعة سيرتفع.. لأن ورشة صنع الشموع تحتاج كهرباء. تصدق؟ إنها سلسلة تضخم لا تنتهي، تبدأ برقم وتنتهي بفقير إضافي تحت خط الفقر.
أي مشروع تعافي هذا؟
أي عجلة تنمية تدور عندما تكون الطاقة غالية؟ وأية مصانع ستعمل؟ وأي تصدير سيحدث؟ وأي اقتصاد سيتعافى؟ المنطق البسيط (الذي لا يحتاج إلى دكتوراه في الاقتصاد) يقول: لتخفيض الأسعار، خفّض سعر الطاقة. اجعل الكهرباء رخيصة، والبنزين في متناول اليد، والمازوت حلماً يتحقق. حينها فقط ستنخفض كلفة الإنتاج، وتنخفض الأسعار، وتنطلق عجلة التصدير، وتتعافى الليرة تدريجياً، ويعود للمواطن قليل من قوته الشرائية التي سرقت منه على مدى عقد كامل.
لكن لا. نحن نفعل العكس. نرفع الأسعار، ثم نتفاجأ أن الليرة تنهار أكثر. ونرفع الأسعار، ثم نتفاجأ بالتضخم الجامح. نرفع الأسعار، ثم نتفاجأ أن المواطن بدأ يموت.. لكن هذه المرة ليس بصاروخ وإنما ببطء موت بالفقر. موت بغياب الدواء. موت بفاتورة لا يستطيع دفعها.
وهنا يأتي دور تجار البدائل، أبطال هذه المهزلة المجهولون.
في كل أزمة، هناك من يربح. وفي أزمة الكهرباء السورية المجيدة، الفائز الأكبر هو تاجر الألواح الشمسية. صارت مكاتبه تذكرك بأسواق الذهب في دبي. وتاجر البطاريات أصبح يبيع البطارية الواحدة بسعر سيارة مستعملة. وتاجر الإنفيرترات صار أغنى من وزير المالية نفسه. وكلما زاد انقطاع الكهرباء، زادت أرباحهم. وكلما رفعت الحكومة السعر، زاد إقبال الناس على البدائل.
سؤال محرج جداً: هل مصلحة هؤلاء التجار في حل أزمة الكهرباء أم في استمرارها؟
لا داعي للإجابة. الجميع يعرف الإجابة. وهنا يأتي السؤال الأكثر إحراجاً: لماذا لا تحل الحكومة أزمة الكهرباء بشكل جذري؟ هل لأنها لا تستطيع؟ أم لأن هناك من يريدها ألا تحل؟ قصة قديمة مستمرة. منذ عشرين عاماً ونحن نسمع وعوداً بإصلاح قطاع الكهرباء. والنتيجة اليوم: انقطاع 20 ساعة يومياً في بعض المناطق، وفاتورة خيالية لمن يجرؤ على الدفع.
ماذا لو كانت الكهرباء متوفرة بسعر مناسب؟
كان سينشأ سوق ضخم. وكانت ستنطلق مصانع. وستعمل مضخات المياه. وستُضاء بيوت ومستشفيات ومدارس. لكن الأهم: كانت ستتوقف تجارة البدائل عند حدها الطبيعي. وكانت الألواح الشمسية ستبقى للمزارع النائية، وليس لكل أسرة سورية تحاول البقاء على قيد الحياة. إذاً، من المستفيد من استمرار انقطاع الكهرباء؟ سؤال قديم. لكن الجديد أن الإجابة أصبحت أوضح من الشمس.. لو كانت الشمس تغطي احتياجاتنا.
لكن القصة لا تتوقف عند الكهرباء، وبدأت تتوسع وتمتد إلى كل شيء.
اليوم، الحديث عن الصحة يدور في الكواليس. يهمسون: «ربما نخصّص المستشفيات». يلمحون: «ربما نرفع التسعيرة». وفي العلن، ما يحدث فعلاً هو أن الأدوية تختفي. ودواء السرطان أصبح أمنية. ودواء التصلب اللويحي صار أوهام منسية. أوأمراض كانت تعالج مجاناً أصبحت حكماً بالإعدام لمن لا يملك.
[25/10/47 10:24 م] Fadi: وعندما يبحث مريض ولا يجد، وعندما تتحول العيادات العامة إلى طوابير لا تنتهي، يبدأ الناس بالتصديق أن هناك خطة غير مكتوبة: دفع الناس عمداً نحو الطب الخاص. ونحو الدفع من الجيب. ونحو عبارة «دبر حالك يا عبد الفتاح» التي أصبحت شعاراً وطنياً غير رسمي.
ثم التعليم بعد الصحة. وغداً ربما الهواء. وبعدها الضوء. والتالي الماء. متى سيتوقف هذا النزيف؟
ما يحدث هو فشل ذريع في إدارة التنمية، ممزوج بسياسات اقتصادية لا تفهم حتى أبسط قواعد العرض والطلب. وما يحدث أيضاً هو محاولة بطيئة ومنهجية لتحميل المواطن كل شيء، وفي المقابل رفع يد الدولة عن كل شيء. خصخصة المقصلة. وخصخصة الجوع. وخصخصة الموت.
وإن استمر الحال على ما هو عليه..
فسيجر هذا الفشل والجهل البلاد إلى فوضى لا تحسد عليها. والشعب إلى فقر مدقع لم يشهد له مثيلاً. ليس لأن القدر شاء ذلك، لكن بسبب قرارات خاطئة اتخذها أشخاص لا يدفعون فواتير الكهرباء مثلك ومثلي. أشخاص يجلسون في مكاتب مكيفة، ويقررون أن «المواطن يجب أن يتحمل المسؤولية».. دون أن يسألوا أنفسهم: هل هذا المواطن يملك ما يتحمل به؟
في النهاية، نعود إلى السؤال الذي افتتحنا به: هل تبقى شيء لم يُبع بعد؟
الخبز بيع. والكهرباء بيعت. والصحة في طريقها للبيع. والتعليم على الأبواب. وحتى الظل أصبح له سعر. ماذا بعد؟ هل سنصل يوماً إلى نقطة نبيع فيها «حق التنفس»؟ هل سنرى فاتورة شهرية للهواء؟ سعر الأكسجين لهذا الشهر: 500 ألف ليرة. غير شامل الضريبة. الدفع خلال أسبوع وإلا سيتم قطع التنفس عنك.
قد تظن أنني أبالغ. ربما. لكن قبل عشر سنوات، لو قال لك أحدهم: ستدفع فاتورة كهرباء بـ 200 ألف مع انقطاع 20 ساعة يومياً.. هل كنت ستصدقه؟
هذا ما يحدث فعلاً في سوريا. سلسلة كوارث متصلة. وكل يوم، نكتشف أن القاع الذي وصلنا إليه ليس قاعاً.. هناك طابق سفلي آخر ينتظرنا.
والسؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه: إلى متى؟






