محافظة السويداء

بروفات صغيرة تسبق القرارات الكبرى في الجنوب السوري، وهذه الأيام حبلى بها. حين يلمّح زعيم محلي طامح للقيادة منذ أسابيع إلى تطورات ستظهر “خلال أيام”، ثم يمر الموعد بلا إعلان، يكون قد حقق مكسباً سياسياً: اختبر ردود الفعل، وقاس صبر الحكومة في دمشق، وترك عواصم الجوار تكشف مواقفها أولاً.
المزعوم بالشيخ حكمت الهجري يمارس هذا الأسلوب منذ شهر آب، وربط التلميح بحديث عن تقرير المصير وعن رعاية دولة أخرى. ومن يقرأ هذا النمط بجدية يتوقع خطوة تالية. السؤال الأدق يتعلق بشكلها وتوقيتها. ثلاثة عوامل تجتمع الآن.
الأول أن إعلان حل قسد ودمجها في مؤسسات الدولة أغلق أبرز سابقة لترتيب خاص خارج المؤسسات المركزية، وصارت السويداء الملف الأصعب المتبقي. قيادة ترى النافذة تضيق وتميل إلى التحرك قبل إغلاقها.
والثاني أن التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة وغربي درعا شبه يومية، وهي ترسم واقعاً عسكرياً قريباً من الجبل. وقد برّرت إسرائيل المحتلة تدخلها السابق بحماية الدروز، وهذه الحجة جاهزة للاستخدام مجدداً.
والثالث أن الداخل يتآكل: اختطاف الوجيه عاطف هنيدي بعد بيان ينتقد الهجري، وهروب محتجزين من سجن تابع للحرس الوطني، وإقالة قائد الحرس. والقيادات التي ترى قاعدتها تتشقق تبحث عادة عن سند خارجي أو عن خطوة كبرى تعيد جمع الصفوف. تتجه المعطيات إلى أن الخطوة المقبلة، إن جاءت، ستأخذ أحد شكلين.
الأول صيغة “حماية”: طلب ضمانات دولية، أو توسيع “الإدارة الذاتية” عبر اللجنة القانونية، مع خطاب مدني يتجنب كلمة انفصال. والثاني حادثة ميدانية على خط التماس مع العشائر أو مع ريف درعا، تُقدَّم للعالم بوصفها تهديداً وشيكاً يستدعي التدخل. وأي تواصل جغرافي بين الجبل والمناطق التي تتحرك فيها قوات الاحتلال الإسرائيلية سيمر عبر ريف درعا، لذلك يستحق حوض اليرموك وغرب درعا مراقبة خاصة.
هذه قراءة للمعطيات، وكل عنصر فيها قابل للتحقق في الأيام القليلة المقبلة. وفي حسابات الجوار ما يضيف إلى الخطر وزناً. الأردن يجاور درعا والسويداء بحدود طويلة، وأي كيان يقوم على خاصرته الشمالية برعاية إسرائيلية يعيد صياغة أمنه الحدودي من أساسه، من ضبط التهريب إلى ملف اللاجئين. عمّان تدرك ذلك، ولن تقبل أن يتحول الجوار السوري إلى منطقة نفوذ لا تملك فيها كلمة.
وتركيا، التي ربطت علاقتها بدمشق الجديدة بوحدة الأراضي السورية، ترى في أي سابقة انفصالية جنوبية تهديداً مباشراً لهذا المبدأ، وترى في تمدد إسرائيل جنوباً تغييراً في ميزان القوى الإقليمي لا يمكن تجاهله.
والتقاء الموقفين الأردني والتركي على رفض الأمر الواقع قد يحول السويداء من ملف محلي إلى اختبار إقليمي، وهنا يكمن خطر التصعيد غير المحسوب: فكل طرف يقرأ تحركات الآخر بوصفها تهديداً، وكل حادثة صغيرة قد تتحول إلى أزمة كبيرة.
أول التحذيرات لدمشق. الخطر الأكبر عليها أي رد يقدّم لخصومها الذريعة الجاهزة. أحداث تموز 2025 أظهرت كيف تتحول مواجهة محلية إلى ملف دولي في ساعات. والمسار الإداري الذي بدأ، من مراكز حكومية وفروع مصرفية تعود للعمل، يحتاج إلى تثبيت وإلى ضمانات واضحة للمساءلة عن الانتهاكات، لأن الثقة تُبنى بالإجراءات. ويحتاج أيضاً إلى حماية الأصوات الدرزية المعارضة لمشروع الهجري من الانتقام، فقضية هنيدي تُظهر حجم المخاطرة التي تتحملها.
والتحذير الثاني لعشائر درعا وفصائلها: أي حشد مسلح قرب السويداء سيُستثمر إعلامياً وسياسياً في الاتجاه الذي يخدم سردية الخطر.
والثالث لأبناء السويداء: هم من يدفع كلفة أي مغامرة، والتشظي الداخلي يُضعف موقعهم التفاوضي أياً كان الاتجاه.
والرابع للإعلام: تتداول في هذه الأجواء بيانات منسوبة وتسريبات غير موثقة، وقد نفت مصادر من عائلات السويداء بياناً نُسب إليها قبل أسابيع. وأي خبر لا يؤكده مصدران مستقلان يستحق الحذر.
وتبقى مسؤولية الأطراف الدولية. الأمم المتحدة حذرت من تبعات التوغلات الإسرائيلية في سوريا، وصمت العواصم الكبرى عن ترتيبات تُفرض بقوة، الأمر الواقع يشجع على تكرارها في أماكن أخرى.
الأيام المقبلة ستحدد ما إذا كان مصير الجنوب يُرسم بالإعلانات الأحادية أم بالتفاهمات. وإذا ظهر الإعلان فسيحمل على الأرجح عنوان الحماية والضمانات.

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top