جماهير سورية تحيي ذكرى التحرير (أرشيف)

سورية لم تخرج من حرب عابرة انتهت آثارها بتوقف القتال، وإنما أنهكتها أربعة عشر عاماً من الدمار والاستنزاف، وستة عقود من الاستبداد، وترك ذلك جروحاً عميقة في اقتصادها ومجتمعها ومؤسساتها. فقد تضررت البنية التحتية والمساكن والمنشآت الاقتصادية على نطاق واسع، وقدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار الأصول المادية بنحو 216 مليار دولار، فيما يحتاج نحو 16.5 مليون سوري إلى المساعدات الإنسانية خلال عام 2026. وهذا واقع صعب لدولة لا تزال تبني مؤسساتها من جديد، بعد أن سحقتها الحرب وسحقها الفساد والاستبداد.

وخلف هذه الأرقام ملايين السوريين الذين ينتظرون استعادة بيوتهم وأعمالهم وحياتهم الطبيعية، لذلك فإن السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن مساعدتها على النهوض واستعادة قدرتها على إدارة شؤونها وتلبية احتياجات شعبها؟

أولاً: دعم مؤسسات الدولة ضمانة لوحدة سورية واستقرارها

فالدولة هي الضمانة، وهي الإطار الذي يحفظ القانون، ويدير الحدود، ويشغّل المدارس والمستشفيات، ويحمي الأفراد والممتلكات، وينظم الاقتصاد، ويضمن استمرار الحياة العامة. وكلما ضعفت مؤسساتها، اتسعت المساحات أمام الفوضى والعبث، وأمام الأعداء وأصحاب النوايا الخبيثة المبيتة، وأصبحت وحدة البلاد وأمن المواطنين أكثر عرضة للمخاطر.

لقد أظهرت التجربة السورية خلال سنوات الفساد والاستبداد الطائفي، الذي كان همه السلطة وتجارة المخدرات والحرب ضد الشعب الذي يطالب بكرامته وحقوقه، أن غياب المؤسسات الفاعلة يترك المواطنين أمام أزمات متراكمة، ويمنح الجماعات الطائفية والانفصالية والجهات المعادية فرصاً لاستغلال حاجات الناس وانعدام الاستقرار. ولذلك، فإن تمكين الدولة من بسط القانون وتقديم الخدمات في جميع المناطق ضرورة لحماية المجتمع وصون وحدة البلاد.

لكن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على فرض النظام وحده، وإنما أيضاً بكفاءة مؤسساتها وعدالة قوانينها ونزاهة إدارتها. ومن هنا تأتي أهمية الرقابة والمحاسبة ومكافحة الفساد، فهي شروط لبناء ثقة المواطن بالدولة الجديدة وضمان وصول الموارد إلى مستحقيها. إن دعم المؤسسات ينبغي أن يعزز قدرتها على خدمة السوريين، وأن يساعدها على التطور والإصلاح وتحمل مسؤولياتها.

ثانياً: استقرار سورية مصلحة إقليمية ودولية

لا تتوقف آثار السنوات السورية العجاف عند حدود البلاد. فسورية تقع في منطقة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والإنسانية، وتعافيها يفتح المجال أمام تنشيط التجارة والنقل والاستثمار، ويهيئ ظروفاً أفضل لعودة اللاجئين، ويخفف الضغوط عن الدول والمجتمعات التي استضافتهم، ويؤمن مساهمتهم في إعادة البناء. فأهم ثروة تملكها سورية اليوم هي الطاقة البشرية الحية لشعبها.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، شهدت الفترة الممتدة من ديسمبر 2024 إلى نهاية يناير 2026 عودة أكثر من 1.3 مليون سوري من دول اللجوء، ونحو 1.7 مليون نازح داخلياً إلى مناطقهم أو وجهاتهم المختارة. وتمثل هذه العودة فرصة وطنية كبيرة، لكنها تضع أمام الدولة مسؤولية توفير الأمن والسكن والمياه والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية وفرص العمل والخدمات.

فالعودة المستدامة لا تتحقق بمجرد عبور الحدود، لكنها تحتاج إلى تعزيز قدرة الإنسان على استعادة حياته والشعور بالأمان وبناء مستقبل لأسرته وضمان احتياجاته. ومن هنا، فإن دعم التعافي السوري يسهم في معالجة جذور الهجرة القسرية، ويعزز الاستقرار الإقليمي، ويتيح للسوريين المشاركة في إعادة بناء وطنهم، بدل استمرار استنزاف طاقاتهم في النزوح والاغتراب. وهذه مسؤولية يتشاركها الجميع، وليس الدولة وحدها.

ثالثاً: إعادة الإعمار مسؤولية وطنية تحتاج إلى شراكة واسعة

إن حجم الدمار يجعل إعادة الإعمار أكبر من قدرة الموارد السورية المتاحة وحدها، ولذلك تحتاج البلاد إلى تعاون الحكومة والقطاع الخاص ورجال الأعمال والمغتربين والدول الشقيقة والصديقة والمؤسسات الدولية والمواطنين، ضمن خطة واضحة تحدد الأولويات، وتحمي المال العام، وترشّد الاستثمارات التي تساهم في تعزيز حياة المواطن محدود الدخل، لا أن يتم استجرار استثمارات هدفها الأول والأخير زيادة رؤوس أموال أصحابها وسحق المواطن السوري بين أنيابها. بل يتوجب على الدولة هنا دراسة الاستثمارات، ويجب أن تكون عوائدها على المواطن هي المعيار الأول في دعمها وتشجيعها.

وتشمل الاحتياجات تشجيع الاستثمار المقنن في إعادة تأهيل الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والمستشفيات والمدارس، وتنشيط القطاع المصرفي والتجارة والإنتاج، وتهيئة بيئة قانونية مستقرة تشجع الاستثمار المفيد للمواطن وللدولة، وتوفر فرص العمل.

وقد وافق البنك الدولي في عام 2025 على منحة بقيمة 146 مليون دولار لدعم الكهرباء، ثم وافق في أبريل 2026 على تمويل بقيمة 225 مليون دولار لمشاريع المياه والصحة، يتوقع أن يستفيد منها نحو 4.5 ملايين سوري. وهي خطوات عملية مهمة، وإن ظلت محدودة قياساً إلى حجم الاحتياجات.

وتقدم تجارب أوروبا الغربية وكوريا الجنوبية واليابان والصين بعد الحروب دروساً جديرة بالدراسة. فقد استفادت هذه البلدان من التمويل والتعاون الدوليين بالتوازي مع سياسات وطنية ركزت على الصناعة والتعليم والبنية التحتية. ولا يمكن استنساخ تجاربها حرفياً، لكن سورية تستطيع الاستفادة من دروسها عبر تحويل المساعدات إلى استثمارات منتجة، والانتقال تدريجياً من الإغاثة إلى التعافي، ومن التعافي إلى اقتصاد قادر على توفير العمل وتمويل التنمية.

ووفق قناعتي، فإن فرصتها أفضل مما ذكر، حيث أرى أن سورية تمتلك فرصاً حقيقية للنهوض إذا تضافرت الإرادة الوطنية مع التعاون الدولي، وتوافرت إدارة كفؤة تحسن استخدام الموارد وتضع احتياجات المواطنين في مقدمة أولوياتها، وأكرر: احتياجات المواطنين في مقدمة الأولويات.

رابعاً: النقد والمحاسبة جزء من نجاح مشروع التعافي

ثمة مخاوف مشروعة من الفساد وسوء الإدارة وهدر الأموال، ولا يجوز التقليل من شأنها. فتجارب دول عديدة أظهرت أن التمويل وحده لا يصنع نهضة، وأن غياب الرقابة قد يحول المساعدات إلى موارد مهدورة وأعباء إضافية على المجتمع، كما حدث ويحدث في العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم.

والحل يكمن في ربط الدعم بأهداف قابلة للقياس، وتدقيق مالي وفني مستقل، ونشر نتائج المشاريع، ومحاسبة المسؤولين عن المخالفات، وتوجيه الإنفاق نحو الخدمات الأساسية والمشروعات الإنتاجية. كما ينبغي أن تعمل أجهزة الرقابة والقضاء بكفاءة واستقلالية تضمن حماية المال العام وفضح كل فاسد وكل متلاعب.

وفي المقابل، يجب ألا يتحول النقد إلى موقف يرفض تقوية مؤسسات الدولة أو يعطل جهود التعافي. فالنقد الذي يكشف الخلل ويطالب بإصلاحه ضرورة وطنية، أما ترك المؤسسات تواجه التحديات من دون مساعدة فيضاعف كلفة الأزمات على المواطنين. والمطلوب هو دعم الدولة مع مطالبتها بالشفافية والكفاءة والعدالة، بما يعزز ثقة السوريين بها ويشجع الشركاء الدوليين على توسيع تعاونهم.

أخيراً، لا بد من الإقرار بأن سورية تحتاج إلى فرصة حقيقية للنهوض، يقف فيها شعبها خلف دولته بقوة، بعيداً عن المشككين والمثبطين والأعداء والخصوم.

فبعد كل ما خسره السوريون، لا يجوز أن تتحول معاناتهم إلى أزمة مفتوحة بلا أفق. فالحكومة مسؤولة عن تطوير المؤسسات وتحسين الخدمات ومكافحة الفساد، والمجتمع الدولي مسؤول عن الإسهام في إعادة الإعمار وفتح أبواب التعاون والاستثمار أمام بلد يحتاج إلى استعادة قدرته على الإنتاج والحياة، والشعب مسؤول مسؤولية مباشرة وقاطعة عن حماية هذه الدولة.

إن دعم سورية ليس مشروعاً لسلطة أو حكومة، بل استثمار في وطن وشعب ومستقبل منطقة بأكملها. وكل مدرسة ترمم، وكل مستشفى يستعيد قدرته على العلاج، وكل مشروع يوفر فرص العمل، يمثل خطوة نحو استعادة الثقة والأمل.

سورية لا تحتاج إلى شفقة العالم، ولا إلى مراقب يكتفي بتسجيل عثراتها، لكنها تحتاج إلى شراكة جادة تساعدها على الوقوف، وتحترم سيادتها وإرادة شعبها، وتمنح السوريين الأدوات التي تمكنهم من إعادة بناء وطنهم. فالنهوض مسؤولية سورية أولاً، لكنه يحتاج إلى تعاون الأشقاء والأصدقاء والمؤسسات الدولية، حتى تستعيد البلاد عافيتها ويجد أبناؤها في وطنهم مستقبلاً يستحقون أن يعيشوا من أجله.

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top