رفع واشنطن قيوداً على مبيعات السلاح وتمويلها إلى سوريا يفتح مساراً جديداً للتعاون الدفاعي، لكن من دون أن يعني بدء صفقات أو توريد أسلحة فوراً.
دخل قرار أميركي جديد حيز التنفيذ، أنهى القيود المتبقية على مبيعات السلاح وتمويلها إلى سوريا بموجب قانون “مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحرب” لعام 1991، في خطوة تنقل العلاقة الأميركية-السورية إلى مستوى مختلف في ملف التعاون الدفاعي. لكن القرار لا يعني بدء شحن أسلحة أميركية إلى دمشق، ولا يلغي تلقائياً جميع إجراءات الرقابة والتراخيص الأميركية المرتبطة بتصدير المعدات العسكرية.
ماذا تغير فعلياً في سوريا بعد القرار الأميركي؟
أهم تغيير مباشر هو أن واشنطن أزالت قيدين كانا لا يزالان مفروضين على سوريا بموجب قانون 1991، الأول يتعلق بمبيعات السلاح، إذ أُنهي الحظر المفروض بموجب ذلك القانون على بيع سوريا المواد الدفاعية والخدمات الدفاعية وخدمات التصميم والإنشاء ذات الصلة، إضافة إلى القيود على إصدار تراخيص لتصدير المواد المدرجة على قائمة الذخائر الأميركية.
أما الثاني فيتعلق بتمويل مبيعات السلاح، حيث أُنهي القيد الذي كان يمنع تمويل المبيعات العسكرية لسوريا عبر برنامج التمويل العسكري الخارجي الأميركي “FMF” بموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة.
وبذلك لم تعد العقبة التي فرضها قانون 1991 قائمة بحد ذاتها. وكان المسؤول الأميركي المختص قد قرر في 20 آب/أغسطس 2026 أن رفع هذين القيدين أصبح ضرورياً لمصالح الأمن القومي الأميركي، قبل أن يدخل الإعفاء حيز التنفيذ في 16 أيلول.
رفع قيد السلاح لا يعني وصول السلاح غداً
الجانب الأكثر أهمية في قراءة القرار هو الفصل بين رفع الحظر القانوني المحدد وبين تنفيذ صفقة عسكرية فعلية، فالقرار لم يعلن عقد صفقة أسلحة مع سوريا، ولم يحدد منظومات عسكرية أو كميات أو جدولاً زمنياً للتوريد. كما أن تصدير المعدات الدفاعية الأميركية يخضع لإجراءات ترخيص وضوابط أخرى، ولا سيما القواعد الخاصة بصادرات الدفاع والخدمات الدفاعية الأميركية.
وتُظهر اللوائح الحالية أن سوريا ما تزال مدرجة ضمن الدول التي تطبق عليها سياسة رفض بالنسبة لبعض صادرات المواد والخدمات الدفاعية بموجب لوائح “ITAR”، ما يعني أن الإعفاء الأخير لا ينبغي تفسيره باعتباره تصريحاً شاملاً ومفتوحاً لتصدير أي سلاح أميركي إلى سوريا.
بمعنى آخر، الذي تغير الآن هو إزالة حاجز قانوني محدد، أما الانتقال من هذا الحاجز إلى صفقة فعلية فيحتاج إلى قرارات وتراخيص وإجراءات إضافية.
ماذا يمكن أن تستفيد سوريا من القرار؟
1. فتح مسار رسمي للتعاون الدفاعي
سياسياً وعسكرياً، يوسع القرار الهامش المتاح أمام دمشق وواشنطن لبحث التعاون في المجال الدفاعي، بعدما كان قانون 1991 يضع قيداً مباشراً على هذا المسار.
وهذا قد يشمل مستقبلاً، بحسب ما تسمح به التراخيص والسياسات الأميركية اللاحقة، مناقشة معدات دفاعية وخدمات مرتبطة بها، وليس فقط بيع منظومة سلاح مكتملة.
كما أن إنهاء قيد التمويل العسكري الخارجي يزيل عقبة إضافية كانت تقف أمام إمكانية استخدام هذا البرنامج في حال اتخذت واشنطن لاحقاً قراراً بتخصيص تمويل لسوريا. أما توفر التمويل فعلياً فيبقى مرتبطاً بقرارات أميركية لاحقة وإجراءات الاعتماد والرقابة.
2. فرصة لتطوير قدرات الجيش السوري على المدى المتوسط
أهمية القرار لسوريا لا تقتصر على احتمال شراء أسلحة جديدة. فتح المجال القانوني أمام التعاون الدفاعي يمكن أن يكون مهماً أيضاً في مجالات الصيانة والخدمات الفنية والتدريب والدعم اللوجستي، إذا حصلت التراخيص اللازمة.
وتصبح هذه النقطة أكثر أهمية في مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة، لأن تطوير قدرات القوات الحكومية لا يتعلق بالعتاد وحده، وإنما أيضاً بالاتصالات والنقل والصيانة والتدريب والأنظمة اللوجستية.
لكن هذه الفائدة تبقى احتمالية وليست نتيجة تحققت بالفعل، إذ لم تعلن واشنطن حتى الآن ضمن القرار نفسه عن برنامج عسكري جديد لسوريا.
3. توسيع خيارات دمشق في سوق التسليح
في حال تحولت الخطوة لاحقاً إلى تراخيص وصفقات فعلية، فإن سوريا قد تجد نفسها أمام خيارات أوسع في تنويع مصادر معداتها العسكرية، بدلاً من ارتباط احتياجاتها بموردين محددين.
وتكمن أهمية ذلك خصوصاً بالنسبة إلى قطع الغيار والخدمات الفنية والتقنيات التي تعتمد عليها بعض الجيوش في الحفاظ على جاهزية معداتها.
لكن حجم هذا التغيير سيعتمد على نوعية التراخيص التي تمنحها الإدارة الأميركية، والأنظمة التي توافق عليها، وشروط الاستخدام وإعادة النقل والرقابة على المستخدم النهائي.
القرار يأتي بعد سلسلة من خطوات تخفيف القيود عن سوريا
لا يمكن قراءة الإعفاء العسكري منفصلاً عن التحولات التي شهدها الموقف الأميركي من سوريا خلال العامين الأخيرين، ففي 2025 بدأت واشنطن إلغاء العقوبات الاقتصادية الشاملة المفروضة على سوريا، وأكدت وزارة الخزانة لاحقاً أن الولايات المتحدة لم تعد تطبق عقوبات شاملة على الحكومة السورية، مع الإبقاء على عقوبات تستهدف بشار الأسد وشخصيات مرتبطة به، ومنتهكي حقوق الإنسان وتجار الكبتاغون وجهات مرتبطة بتنظيمي “داعش” و”القاعدة” وإيران ووكلائها.
وفي 24 آب/أغسطس 2026، ألغت واشنطن أيضاً تصنيف سوريا كـ”دولة راعية للإرهاب”، في خطوة قالت وزارة الخزانة الأميركية إنها تأتي ضمن مسار تخفيف العقوبات وتشجيع الاستثمار والاستقرار الاقتصادي في سوريا.
وبالتالي، فإن قرار 16 أيلول يمثل حلقة جديدة في مسار بدأ اقتصادياً وسياسياً، ووصل الآن إلى أحد الملفات الأكثر حساسية، وهو التعاون الدفاعي.
هل تستطيع سوريا شراء أي سلاح أميركي الآن؟
القرار الأخير يتعلق تحديداً بالعقوبات المفروضة بموجب قانون 1991، في حين تبقى منظومة واسعة من قواعد التصدير والرقابة الأميركية قائمة. كما أن صادرات الدفاع الأميركية تخضع لإجراءات ترخيص منفصلة، إضافة إلى ضوابط المستخدم النهائي والاعتبارات الأمنية والسياسة الخارجية.
وتشير لوائح “ITAR” الحالية إلى استمرار سياسة رفض لصادرات بعض المواد والخدمات الدفاعية إلى سوريا، ما يؤكد أن أي صفقة مستقبلية لا تزال بحاجة إلى المرور عبر النظام الأميركي للتراخيص والموافقات.
وهذا يعني أن الأثر الحقيقي للقرار لن يُقاس فقط بالنص القانوني الذي أُلغي، وإنما بما إذا كانت واشنطن ستترجم الخطوة إلى تراخيص وصفقات وبرامج تدريب أو تمويل في المرحلة المقبلة.
ماذا يعني ذلك سياسياً لدمشق؟
سياسياً، يحمل القرار دلالة تتجاوز موضوع السلاح نفسه، فواشنطن انتقلت خلال فترة قصيرة من الإبقاء على قيود واسعة على التعامل مع سوريا إلى إزالة عقوبات اقتصادية شاملة، ثم رفع تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، وصولاً إلى إنهاء آخر القيود المتبقية بموجب قانون 1991 على مبيعات السلاح وتمويلها.
ولا يعني ذلك أن الخلافات الأميركية-السورية انتهت، أو أن تعاوناً عسكرياً واسعاً أصبح مضموناً، لكنه يعكس انتقال العلاقة إلى مرحلة يصبح فيها التعاون الدفاعي موضوعاً قابلاً للنقاش القانوني والسياسي بعد أن كان أحد أبوابه الرئيسية مغلقاً.
- محمد جابر






