سوريون يجتمعون بالساحات رفضاً للتقسيم

ليس الاحتجاج جريمة، ولا التعبير عن الغضب تجاه تدهور الأوضاع المعيشية خروجاً على الدولة. عندما تقترب يد من لقمة عيش المواطن ولقمة عيش أولاده، فمن حقه أن يتحدث، وأن يعترض، وأن يطالب بحقه، هذا حق لا يحتاج إلى تبرير، ولا يُساوم عليه مطلقاً.

السوريون يعرفون جيداً معنى أن يدفع الإنسان ثمناً باهظاً من أجل كرامته. سنوات طويلة مرت على هذا الشعب، قُدّمت خلالها تضحيات كبيرة، ولم تكن تلك التضحيات من أجل أن يتخلى السوري مرة أخرى عن حقوقه أو يقبل المساس بكرامته.

ومن هنا، فإن أي إساءة للمواطن أو تعدٍّ عليه، أمر لا يمكن قبوله، أياً كان مصدره، كذلك لا نقبل بالتعدي على الممتلكات العامة والخاصة، فالفوضى ليست تعبيراً إنها سلوكاً منبوذاً، والفوضى لا تجر إلا الفوضى، كما أن خلط الأمور ببعضها، بين حق أساسه المواطنه والعيش، وبين حق يراد به باطل، والانقضاض على فكرة بناء الدولة، ممن هم محسوبون عليها الان، فالفاسد ولو كان ثورياً لا يختلف عن “مؤيدي النظام وفلوله”، كما أن عنصر الأمن يمثل الدولة يجب أن يكون من الناس وفي خدمة الناس، وأن يكون مختلفاً عن الصورة التي خرج السوريون عام 2011 رفضاً لها، وهذا ما شهدناه فعلياً في احتجاجات الأمس، لأنّ بناء الدولة لا يكون بتكرار السلوك الذي ثار الناس عليه، وإلقاء التهم على المحتجين والتشكيك بهم أيضاً لا يشبه ثورتنا، ولا يشبهنا.

لكن في المقابل، فإن المرحلة التي نعيشها اليوم تحتاج إلى وعي وحذر كبيرين، هناك فلول وأطراف لا تريد للدولة أن تقوم، ولا تريد لها أن تستعيد عافيتها وتمضي في بناء مؤسساتها. وهذا يجعل مسؤولية الجميع أكبر، لأن أي خطأ في هذه المرحلة قد تكون له تبعات (خطيرة) تتجاوز اللحظة التي وقع فيها.

وبرأيي، فإن جزءاً من المشكلة يكمن في بنية المؤسسات نفسها. فما زالت هناك داخل مؤسسات الدولة شخصيات من فلول النظام السابق ومؤيديه، ممن يعرقلون بناء الدولة، وفي المقابل هناك من يُحسبون على الثورة، لكنهم يقدمون مصالحهم الشخصية على المصلحة العامة، وبين هذا وذاك، تصبح عملية بناء المؤسسات أكثر صعوبة، ويصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع الثمن.

لهذا، لا يكفي أن نتحدث عن بناء الدولة، بل يجب أن تكون هناك مؤسسات حقيقية قريبة من المواطن، تسمع صوته وتتعامل مع مطالبه بجدية. المواطن يحتاج إلى أن يشعر بأن مؤسسات الدولة موجودة من أجله، لا بعيدة عنه.

كما أن الشفافية والمكاشفة بين الدولة والمواطن ليستا ترفاً، في هذه المرحلة تحديداً، يحتاج الناس إلى معرفة ما يجري، وإلى وضوح في ما يتعلق بموارد الدولة وسياساتها وقراراتها، خصوصاً عندما يواجهون ارتفاعاً في الأسعار وضغوطاً متزايدة على حياتهم اليومية.

وهنا تقع على الدولة مسؤولية مباشرة، ارتفاع الأسعار لا يمكن التعامل معه وكأنه شأن منفصل عن مسؤوليتها. المطلوب مراجعة السياسات الاقتصادية، ولو بصورة مؤقتة، ودعم المواد الأساسية إلى حين استكمال بناء المؤسسات وقدرتها على إدارة المرحلة.

نحن بحاجة إلى دولة قوية، لكن قوة الدولة لا تعني أن يصبح المواطن صامتاً. وبناء الدولة لا يعني حماية الخطأ أو تجاهله، بل يعني الاعتراف به وتصحيحه، والاستماع إلى الناس قبل أن تتسع الفجوة بينهم وبين مؤسساتهم.

نحن طلاب حقوق، وحريصون على قيام الدولة وحمايتها، لكن حماية الدولة تبدأ أيضاً من حماية المواطن وكرامته وحقه في التعبير عن مطالبه، فتراكم الأخطاء يبني جبلاً من الأخطاء، وهذه المرحلة لا تحتمل جبالاً جديدة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top