تصاعد التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري مع تعثر مسار التفاوض، فيما يواجه نتنياهو انتخابات أكتوبر بخطاب أمني يركز على خطر “جيش إرهابي” محتمل في سوريا حسبما يدعي.
لا تبدو موجة التصعيد الإسرائيلي في الجنوب السوري خلال الأسابيع الأخيرة منفصلة عن المسار السياسي الذي تشكل بين دمشق وتل أبيب منذ سقوط النظام السابق. فمنذ أواخر أغسطس وحتى منتصف سبتمبر، توالت الضربات والتوغلات والاعتقالات في القنيطرة وريف دمشق ودرعا، بالتزامن مع تمسك دمشق بمطالب أساسية لم تتراجع عنها، أبرزها رفض فتح ممر أو معبر إسرائيلي باتجاه السويداء، والمطالبة بانسحاب جيش الاحتلال إلى المواقع التي كان ينتشر فيها قبل 8 كانون الأول 2024، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
وفي المقابل، دخل رئيس وزراء جيش الاحتلال “بنيامين نتنياهو” في 9 أيلول إلى قمة جبل الشيخ داخل الأراضي السورية، برفقة وزير الدفاع “يسرائيل كاتس”، وتحدث من هناك عن “سيطرة مطلقة” تمتد من جبل الشيخ إلى اليرموك ومنه إلى البحر المتوسط، محذراً من إقامة ما وصفه بـ”جيش إرهابي” قرب إسرائيل.
المشهد، بهذا المعنى، يحمل مسارين متوازيين: إسرائيل تحاول تثبيت ما فرضته عسكرياً على الأرض، بينما تحاول دمشق منع تحول هذه الوقائع إلى ترتيبات سياسية دائمة. وفي الداخل الإسرائيلي، يخوض نتنياهو معركة انتخابية ستصل إلى صناديق الاقتراع في 27 تشرين الأول، بعد أن تضررت صورته الأمنية بفعل تداعيات هجوم 7 أكتوبر 2023 وحرب السنوات التالية.
التصعيد الإسرائيلي في الجنوب السوري.. ما الذي تغير خلال الأسابيع الأخيرة؟
شهد الجنوب السوري خلال النصف الأول من أيلول سلسلة متقاربة من التحركات العسكرية، ففي 5 أيلول، تقدمت قوة إسرائيلية مؤلفة من آليات عسكرية إلى أطراف “الرفيد” في ريف القنيطرة الجنوبي، بالتزامن مع قصف مدفعي طال محيط البلدة. وفي اليوم التالي تعرضت مناطق من القنيطرة للقصف، بينها أراضٍ زراعية جنوب “الرفيد” ومناطق قرب “المشاعلة”، فيما تحدثت تقارير عن توغلات متكررة في المحافظة.
وفي 11 أيلول، بعد يومين من زيارة نتنياهو لجبل الشيخ، عادت المدفعية الإسرائيلية لاستهداف محيط “بيت جن” في ريف دمشق الغربي، فيما تحدثت تقارير عن إطلاق النار باتجاه منازل مدنيين في “معرية” بريف درعا الغربي.
كما شهدت القنيطرة في اليوم نفسه توغلات في “الرفيد” و”الحميدية” تخللتها عمليات تفتيش، واعتقال ثلاثة أشخاص خلال هذه العمليات، اثنان منهم في الرفيد وشاب في الحميدية.
وتكشف هذه الوقائع أن التصعيد لم يعد مقتصراً على الضربات الجوية أو القصف من مواقع بعيدة، بل يجمع بين التحرك البري والاعتقال والتفتيش وإقامة وانتشار القوات بالقرب من التجمعات السكانية.
دمشق لم تغيّر شروطها الأساسية
رغم التصعيد، لم تتخل دمشق عن جوهر موقفها التفاوضي، في جولة المفاوضات التي استؤنفت في كانون الثاني 2026 بوساطة أميركية، أكدت سوريا أن الهدف هو إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى مواقعها السابقة قبل 8 كانون الأول 2024، مع الحفاظ على السيادة السورية ومنع التدخل في الشؤون الداخلية.
وفي 23 آب، عقد وفد سوري رفيع، برئاسة وزير الخارجية “أسعد الشيباني” وبمشاركة رئيسي جهازي الاستخبارات العامة والاستخبارات العسكرية، لقاءً مع وفد إسرائيلي برعاية أميركية في الأردن، بعد تصعيد إسرائيلي في سوريا.
وبحسب الرواية السورية، ركز الاجتماع على وقف الضربات والعمليات داخل الأراضي السورية، وإحياء التفاوض على اتفاق أمني، مع تمسك دمشق بالانسحاب إلى مواقع ما قبل 2024، وإعادة تفعيل اتفاق 1974، ورفض أي مساس بحق سوريا في إعادة بناء مؤسساتها العسكرية وتحديد تحالفاتها.
السويداء.. الورقة التي لم تتحول إلى قناة نفوذ إسرائيلية
كان ملف السويداء إحدى أكثر الأوراق حساسية في العلاقة الجديدة بين دمشق وتل أبيب، خلال أزمة السويداء، تدخل جيش الاحتلال عسكرياً بحجة حماية الدروز، وطرحت إسرائيل، وفق تقارير إسرائيلية، فكرة إنشاء ممر إنساني إلى المنطقة، بالتوازي مع مطالب تتعلق بنزع السلاح في جنوب غرب سوريا. لكن دمشق رفضت تحويل الملف إلى قناة تدخل إسرائيلية في الشأن الداخلي السوري.
وفي كانون الثاني 2026، نقلت “تايمز أوف إسرائيل” عن مصدر قريب من دمشق أن المباحثات أظهرت مؤشرات على استعداد الجانب الإسرائيلي للتعامل مع أحداث السويداء باعتبارها شأناً سورياً داخلياً، بالتزامن مع الاتفاق على آلية اتصال لتخفيف التصعيد وتنسيق بعض الملفات الأمنية والاقتصادية.
ولا يعني ذلك أن إسرائيل تخلت عن اهتمامها بالسويداء أو بالملف الدرزي، لكنه يشير إلى حدود ما تمكنت من تحقيقه سياسياً. فالتدخل العسكري لم يتحول إلى حق إسرائيلي معترف به في إدارة المحافظة أو إنشاء مسار منفصل عن دمشق.
وهذه النقطة تساعد في تفسير جانب من التوتر الحالي: كلما بقي الملف السوري ضمن إطار الدولة الواحدة، تقلصت قدرة إسرائيل على تحويل الأزمات المحلية إلى مداخل ثابتة لنفوذها السياسي.
زيارة الشرع إلى درعا حملت رسالة.. لكن لا يمكن الجزم بأنها سبب التصعيد
في 30 آب، زار الرئيس السوري “أحمد الشرع” مدينة درعا للمرة الثانية منذ توليه منصبه، والتقى عائلات في درعا البلد، برفقة محافظ درعا “أنور الزعبي”. وتناولت تغطيات سورية الزيارة باعتبارها جولة غير اعتيادية من حيث التحضير والبروتوكول، فيما بدا الموكب محدوداً مقارنة بالزيارات الرئاسية التقليدية.
سياسياً، يمكن قراءة الزيارة باعتبارها رسالة ثقة بقدرة الدولة على الحضور في الجنوب والتواصل المباشر مع سكانه، خصوصاً أن درعا تقع في قلب البيئة الجغرافية التي تريد إسرائيل إبقاءها تحت مراقبتها الأمنية.
لكن لا توجد معطيات علنية تثبت أن زيارة الشرع كانت سبباً مباشراً للتصعيد اللاحق أو أن نتنياهو اتخذ قراره بزيارة جبل الشيخ رداً عليها.
الأدق أن الزيارتين جاءتَا ضمن بيئة واحدة تتنافس فيها روايتان: رواية سورية تؤكد عودة مؤسسات الدولة ووحدة البلاد، ورواية إسرائيلية تقوم على استمرار الحاجة إلى وجود عسكري مباشر في الجنوب.
جبل الشيخ.. من “وجود مؤقت” إلى خطاب عن “سيطرة مطلقة”
تكتسب زيارة نتنياهو في 9 أيلول أهمية خاصة لأنها تجاوزت مجرد زيارة ميدانية إلى إعلان سياسي صادر من الأراضي السورية نفسها.
فمن موقعه في جبل الشيخ، قال نتنياهو إن إسرائيل “تسيطر” على المنطقة الممتدة من قمة جبل الشيخ إلى نهر اليرموك وصولاً إلى البحر المتوسط، واصفاً ذلك بـ”السيطرة المطلقة”. كما ربط الوجود الإسرائيلي بخطر إقامة “جيش إرهابي” على مقربة من إسرائيل.
ويختلف هذا الخطاب في مضمونه السياسي عن التبرير الأول الذي قدمه جيش الاحتلال بعد سقوط النظام في كانون الأول 2024، حين قُدم الانتشار في المنطقة العازلة باعتباره إجراءً أمنياً مؤقتاً في ظل انهيار الترتيبات السابقة.
وبمرور الوقت، أصبحت التصريحات الإسرائيلية تتحدث بصورة أكثر صراحة عن البقاء والانتشار طويل الأمد.
وفي آب، قال “يسرائيل كاتس” إن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من جبل الشيخ والمنطقة التي تسميها إسرائيل “المنطقة الأمنية” داخل سوريا. وفي أيلول جاء نتنياهو ليصف الواقع العسكري من جبل الشيخ باعتباره “سيطرة مطلقة”.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط الخلاف: إسرائيل تتعامل مع السيطرة الميدانية كأصل يمكن البناء عليه في أي تفاوض لاحق، بينما تحاول دمشق إبقاء هذه السيطرة في خانة الاحتلال المؤقت غير المعترف به.
التصعيد لم ينتج حتى الآن التسوية السياسية التي تريدها إسرائيل
على الرغم من اتساع الانتشار الإسرائيلي، لم تُترجم السيطرة الميدانية إلى اتفاق سياسي يكرس المطالب الإسرائيلية الأساسية.
لم توافق دمشق على ممر إسرائيلي إلى السويداء، ولم تقبل بتحويل ملف الدروز إلى مسار سياسي منفصل عن الدولة، ولم تعلن التخلي عن المطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى مواقع ما قبل 8 كانون الأول 2024.
بل إن المسار التفاوضي الذي ترعاه واشنطن بقي قائماً على محاولة الوصول إلى ترتيب أمني بين دولتين، لا على منح إسرائيل دوراً دائماً في إدارة الجنوب. وفي آب، أشار المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا “توم باراك” إلى أن واشنطن تعمل على آلية لمنع الاحتكاك بين سوريا وإسرائيل وتركيا، بعد أن أصبحت العمليات الإسرائيلية مصدر توتر إضافي في الساحة السورية.
وفي المقابل، وصف التحقيق الأممي الصادر في 8 أيلول الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا بأنه “احتلال عدائي”، وقال إن العمليات باتت أكثر ترسخاً وتشمل التوغلات والمداهمات وإنشاء بنى عسكرية واحتجاز سوريين، فيما قالت إسرائيل إن وجودها يهدف إلى حماية أمنها ولا يحمل طموحات إقليمية.
الدبلوماسية السورية تكسب مساحة دولية
في الوقت الذي تحاول فيه إسرائيل تثبيت وجودها بالقوة، واصلت دمشق نقل الملف إلى المؤسسات الدولية والدول المؤثرة. وبعد زيارة نتنياهو إلى جبل الشيخ، أدانت سوريا الدخول الإسرائيلي، وطالبت الأمم المتحدة والدول الفاعلة بتحمل مسؤولياتها والعودة إلى اتفاق 1974.
ولم تبق الإدانة محصورة في دمشق. فقد أدانت قطر ومصر والسعودية والكويت والأردن دخول نتنياهو إلى الأراضي السورية، كما أعلنت فرنسا في 11 أيلول أن أي انتشار عسكري في منطقة الفصل يشكل انتهاكاً لاتفاق 1974، وطالبت بانسحاب القوات الإسرائيلية ودعمت توقيع اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل.
هذه المواقف لا تشكل رادعاً عسكرياً بحد ذاتها، لكنها تزيد الكلفة السياسية والقانونية للوجود الإسرائيلي، وتضع دمشق في موقع الدولة التي تطالب بتطبيق اتفاق دولي قائم، بدلاً من الدخول في ترتيبات جديدة تُبنى على الوقائع العسكرية وحدها.
إسرائيل أمام مشكلة أخرى: كيف تشرح التصعيد لجمهورها؟
هنا يدخل العامل الإسرائيلي الداخلي، تجري الانتخابات البرلمانية في إسرائيل في 27 تشرين الأول، فيما تشير استطلاعات وتحليلات حديثة إلى أن ائتلاف نتنياهو يواجه منافسة قوية وضغوطاً مرتبطة بصورة الحكومة في ملفات الأمن والحرب وتداعيات 7 أكتوبر. وقد أشارت “رويترز” إلى أن نتنياهو يسعى في هذه المرحلة إلى توحيد معسكر اليمين، بينما أظهرت تقارير حديثة تصاعد الضغوط على موقعه السياسي.
وفي هذا السياق، تبدو مفردات نتنياهو من جبل الشيخ ذات وظيفة تتجاوز الملف السوري نفسه، فهو لم يكتف بالحديث عن إيران، بل تحدث عن منع قيام “جيش إرهابي” قرب إسرائيل. هذه اللغة تستحضر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ذاكرة 7 أكتوبر لدى الجمهور الإسرائيلي: خطر يتشكل قريباً من الحدود، ثم يتحول إلى تهديد واسع إذا لم يجر التعامل معه مبكراً.
ولا يمكن إثبات أن زيارة جبل الشيخ كانت حملة انتخابية بالمعنى المباشر من دون تصريح واضح بذلك. لكن توقيتها، قبل نحو سبعة أسابيع من الانتخابات، وخطاب نتنياهو الأمني خلالها، يسمحان بقراءة الزيارة في سياق السياسة الداخلية الإسرائيلية أيضاً.
حتى داخل إسرائيل توجد أسئلة حول جدوى السياسة السورية
الانتقاد لا يأتي من دمشق وحدها، ففي تغطيات إسرائيلية، برزت خلال الأشهر الماضية أسئلة حول حدود السياسة تجاه سوريا، وخصوصاً بعد دخول الولايات المتحدة على خط الوساطة.
وفي آب، نقلت “تايمز أوف إسرائيل” عن المبعوث الأميركي “توم باراك” انتقادات لسياسة التوغلات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن دمشق استمرت في إبقاء باب الحوار مفتوحاً رغم التصعيد، بينما أصبحت واشنطن قلقة من اتساع المواجهة بين إسرائيل وتركيا داخل سوريا.
وفي الوقت نفسه، توقفت تقارير وتحليلات إسرائيلية عند احتمال أن تؤدي السياسة الحالية إلى احتكاك متزايد مع الولايات المتحدة، خصوصاً بعدما أصبحت واشنطن طرفاً مباشراً في محاولة بناء آلية أمنية بين دمشق وتل أبيب.
وهذا يضع إسرائيل أمام معادلة صعبة: كلما طال وجودها العسكري، احتاجت إلى تبرير أقوى له سياسياً وأمنياً، وكلما ارتفع سقف التبرير، ازدادت صعوبة العودة إلى تسوية محدودة تعيد الوضع إلى ما قبل 8 كانون الأول 2024.
هل تبالغ إسرائيل في تصوير الخطر القادم من سوريا؟
لا يمكن تجاهل أن الحكومة السورية الجديدة تنحدر من بيئة سياسية وعسكرية كانت إسرائيل تنظر إليها تاريخياً باعتبارها تهديداً محتملاً، وأن تل أبيب تعتبر منع تموضع قوى معادية على مقربة منها هدفاً أمنياً مشروعاً من وجهة نظرها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول احتمال مستقبلي إلى مبرر مفتوح لوجود عسكري دائم، فحتى لجنة التحقيق الأممية تقول إن العمليات الإسرائيلية أصبحت أكثر ترسخاً على الأرض، بينما تصر إسرائيل على أنها إجراءات أمنية مؤقتة.
كما أن الواقع التفاوضي يقدم صورة مختلفة عن خطاب الخطر المطلق. فدمشق تخوض مفاوضات بوساطة أميركية، وتعمل على استعادة العلاقات الإقليمية، وتطالب بإعادة تفعيل اتفاق 1974، فيما تسعى واشنطن إلى إنشاء آليات لمنع الاحتكاك بين الأطراف.
لذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسرائيل تملك مخاوف أمنية، بل ما إذا كانت هذه المخاوف تبرر تحويل الجنوب السوري إلى منطقة نفوذ عسكري مفتوح الزمن.
الجنوب السوري أمام اختبار جديد
المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان التصعيد الحالي مجرد محاولة ضغط قبل استئناف التفاوض، أم بداية لمسار إسرائيلي أكثر ثباتاً نحو تكريس وجود طويل الأمد.
ما يدعم فرضية الضغط أن قناة التفاوض لم تُغلق، وأن الولايات المتحدة ما زالت تعمل على منع التصعيد وبناء آليات اتصال، في حين تواصل دمشق التمسك بمطالبها الأساسية.
أما ما يدعم فرضية التثبيت طويل الأمد، فهو استمرار إنشاء البنية العسكرية والتوغلات والاعتقالات، إلى جانب انتقال الخطاب الإسرائيلي من الحديث عن “إجراء أمني” إلى عبارات مثل “البقاء” و”السيطرة المطلقة”.
حتى الآن، فرضت إسرائيل واقعاً عسكرياً جديداً، لكنها لم تحصل على المقابل السياسي الذي يكرسه نهائياً. ونجاح دمشق، إن استمر، قد لا يكون في منع التوغلات، بل في إبقاء باب التسوية مفتوحاً على أساس دولة سورية واحدة واتفاق 1974، ومنع تحويل الجنوب إلى أمر واقع إسرائيلي معترف به.
- محمد جابر






