قال المندوب الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة “إبراهيم علبي”، خلال جلسة مجلس الأمن الخميس 27 آب/أغسطس 2026، إن سوريا دخلت مرحلة جديدة عنوانها الانفتاح والشراكة الدولية، مستعرضاً ملفات العودة والعدالة الانتقالية والتعاون النووي ودمج “قسد”، إلى جانب التصعيد الإسرائيلي في الأراضي السورية وملف الجولان المحتل.
واعتبر “علبي” أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” إلى دمشق أنهت، بحسب وصفه، “حقبة التوتر” بين سوريا والمنظمة الدولية، وكرست مرحلة جديدة من الشراكة، مشيراً إلى اطلاع غوتيريش خلال الزيارة على التحولات التي تشهدها البلاد ولقائه قوات الأندوف وأهالي الجنوب السوري.
“إبراهيم علبي”: أكثر من 3 ملايين سوري عادوا
وربط المندوب السوري زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين “برهم صالح” إلى دمشق بانتقال سوريا، وفق تعبيره، من “مرحلة اللجوء والنزوح” إلى “مرحلة العودة”.
وقال إن أكثر من 3 ملايين سوري عادوا إلى البلاد، داعياً المجتمع الدولي إلى توجيه الاستثمارات نحو التعافي والخدمات وسبل العيش، بما يضمن استدامة عودة اللاجئين.
وفي الملف النووي، وصف “علبي” زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية “رافائيل غروسي” إلى دمشق بأنها أنهت “حقبة الغموض”، وفتحت مرحلة جديدة من الوضوح والتعاون، موضحاً أن الاتصالات تهدف إلى معالجة المسائل الموروثة عن النظام السابق، مع إمكانية توسيع التعاون في الاستخدامات السلمية للعلوم والتكنولوجيا النووية.
دمشق تطوي “العزلة” وتعيد ترتيب علاقاتها الدولية
وتحدث “علبي” عن إزالة اسم سوريا من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب بعد 47 عاماً، موجهاً الشكر إلى الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، ومعتبراً أن الخطوة تتيح لسوريا العمل بعيداً عن القيود السابقة.
كما أشار إلى تفاهم جديد مع روسيا، وتطور العلاقات السورية الصينية، وزيارة وزير الخارجية السوري إلى باكستان، مقدماً هذه التطورات باعتبارها مؤشرات على انتقال البلاد من “حقبة العزلة” إلى “مرحلة الانفتاح”.
وتناول المندوب السوري مؤشرات اقتصادية أخرى، بينها عودة الرحلات المباشرة بين سوريا وألمانيا، والتحضير لوجهات أوروبية جديدة، وتوسع حركة الطيران من المطارات السورية، إلى جانب استقبال وفود اقتصادية ومجالس لرجال الأعمال.
كما أشار إلى خطوات مصرف سوريا المركزي في مجال الدفع الإلكتروني، واستراتيجية مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والعمل على إخراج سوريا من “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
العدالة الانتقالية وملاحقة رموز النظام السابق
وفي ملف العدالة الانتقالية، قال “علبي” إن القضاء السوري أصدر أحكاماً بحق “بشار الأسد” و”ماهر الأسد” و”عاطف نجيب” وعدد من رموز النظام السابق، على خلفية ما وصفه بالانتهاكات والجرائم بحق السوريين.
وأضاف أن المحاكمات جرت، بحسب عرضه أمام المجلس، بصورة عادلة ونزيهة وبحضور ذوي الضحايا والصحفيين وممثلي المجتمع المدني والمنظمات الدولية.
وكشف كذلك عن تسليم السلطات اللبنانية أحد الضباط السابقين المطلوبين للقضاء السوري، على خلفية اتهامات بالقتل العمد والتعذيب، داعياً الدول إلى التعاون مع دمشق في ملاحقة المطلوبين ودعم مسار العدالة الانتقالية.
“قسد”.. دمشق تعلن اكتمال الدمج
وفي الملف الكردي، قال “علبي” إن عمليات دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن ألوية الجيش السوري استُكملت، وإن حلها أُعلن رسمياً.
وقدم المندوب السوري عملية الدمج باعتبارها اندماجاً وطنياً يقوم على تكافؤ الأشخاص وليس المحاصصة الطائفية، مؤكداً أن حقوق وحريات جميع المكونات السورية “ليست موضع مساومة”، وأن الخلافات ينبغي أن تعالج عبر الحوار.
إسرائيل في صدارة الاتهامات السورية
خصص “علبي” جانباً من كلمته للتصعيد الإسرائيلي، متهماً إسرائيل بشن 8 غارات على مطار أبو الظهور في ريف إدلب، إلى جانب استمرار التوغلات داخل الأراضي السورية وعمليات الخطف والقصف.
وأشار كذلك إلى الاستعراض العسكري الإسرائيلي على قمة جبل الشيخ، معتبراً أن هذه التحركات تتعارض مع مساعي خفض التصعيد.
وقال إن سوريا تمارس، في المقابل، “أعلى درجات ضبط النفس”، وتنخرط في المسارات الدبلوماسية الهادفة إلى تثبيت الأمن وخفض التصعيد.
وحدد المندوب السوري شروطاً للاستقرار مع إسرائيل، تشمل وقف الاعتداءات والتوغلات، والالتزام الكامل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، والانسحاب من الأراضي التي توغلت فيها إسرائيل بعد 8 كانون الأول.
وتقاطعت هذه النقطة مع موقف نائب المبعوث الأممي إلى سوريا “كلاوديو كوردوني”، الذي قال خلال الجلسة إن الوجود العسكري الإسرائيلي شرقي خط وقف إطلاق النار ينتهك السيادة السورية ويتعارض مع اتفاق عام 1974.
الجولان.. “أرض سورية محتلة”
حضر الجولان السوري المحتل بقوة في كلمة “علبي”، الذي استند إلى قرار مجلس الأمن 497، مؤكداً أن فرض إسرائيل قوانينها وسلطتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل “لاغٍ وباطل ولا أثر قانونياً ودولياً له”.
وقال: “الجولان ليس أرضاً متنازعاً عليها، بل هو أرض سورية محتلة وستعود إلى أهلها السوريين طال الزمان أم قصر”.
وأشار إلى ارتفاع عدد الدول المصوتة لصالح قرار الجمعية العامة المتعلق بالجولان من 97 إلى 123 دولة، في ما اعتبره مؤشراً على استمرار التأييد الدولي للموقف السوري بشأن وضع الجولان.
بين التعافي والتصعيد
لم تقتصر كلمة “علبي” على الملفات السياسية والأمنية، إذ استعرض عدداً من التطورات التي قدمها بوصفها مؤشرات على عودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بينها إعادة نصب تمثال القديس سمعان العمودي في حلب، وافتتاح الدورة الـ63 من معرض دمشق الدولي، وإعادة تأهيل معمل غاز الطابية في دير الزور.
وفي المقابل، بقي الملف الإسرائيلي حاضراً باعتباره أحد أبرز التحديات أمام المرحلة الجديدة التي تحدث عنها المندوب السوري.
وبذلك رسمت كلمة “إبراهيم علبي” أمام مجلس الأمن صورة لسوريا تقوم على مسارين متوازيين: مسار داخلي يركز على العودة والعدالة وإعادة بناء المؤسسات والانفتاح الاقتصادي والدولي، ومسار خارجي يضع التوغلات الإسرائيلية واحتلال الجولان في صدارة الملفات التي تطالب دمشق المجتمع الدولي بالتعامل معها.
- طارق أبو البراء






