في لحظة إقليمية تتسم بتشابك الأزمات وتعدد مسارات التوتر، يبرز الاجتماع الذي جمع وفداً سورياً رفيع المستوى مع وفد إسرائيلي بوساطة أمريكية واستضافة أردنية كحدث سياسي أمني بالغ الدلالة.
فالمحادثات لم تأت في سياق طبيعي أو ضمن مسار تفاوضي مستقر، بل جاءت كرد فعل مباشر على تصعيد عسكري إسرائيلي في الجنوب السوري، ما يجعلها أقرب إلى محاولة لاحتواء الأزمة وإدارة المخاطر أكثر من كونها خطوة نحو تسوية شاملة.
إن أهمية هذا الاجتماع لا تكمن فقط في طبيعة الملفات المطروحة، بل في ما يعكسه من صراع بين منطق السيادة السورية ومقتضيات الأمن الإسرائيلي، وبين إرادة دمشق في إعادة بناء جيشها الوطني واستعادة حقوقها، ورغبة تل أبيب في تكريس واقع ميداني يمنحها حرية الحركة داخل الأراضي السورية، ومن هنا، يصبح النقاش حول الترتيبات الأمنية جزءاً من معركة أوسع حول تعريف الاستقرار وحدود السيادة في المنطقة.
الاجتماع الذي عقد في عمّان ليس مجرد محطة تفاوضية روتينية، بل هو انعكاس مباشر لميزان القوى ومحاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في الجنوب السوري، من حيث الشكل، جاء اللقاء بعد تصعيد إسرائيلي جديد، ما يضعه في خانة “إدارة الأزمة” أكثر من كونه خطوة نحو تسوية شاملة ومن حيث المضمون، ركزت النقاشات على ترتيبات أمنية ووقف الاعتداءات، لكن الموقف السوري كان واضحاً:
لا يمكن لأي تفاهم أن يبنى على أساس تقييد السيادة السورية أو حرمانها من حقها الطبيعي في إعادة بناء جيشها وتحديد تحالفاتها.
هنا تكمن المفارقة، إسرائيل تبحث عن ضمانات أمنية تبقي يدها العليا في الجنوب، بينما دمشق تطرح معادلة مختلفة: خفض التصعيد ممكن، لكن ليس على حساب السيادة. هذا التباين يعكس جوهر المعضلة، فإسرائيل تريد اتفاقاً يضمن أمنها دون أن يعيد لسوريا كامل حقوقها، بينما ترى دمشق أن أي اتفاق لا يحترم السيادة الوطنية هو مجرد تكريس للاحتلال والهيمنة.
الضربة الإسرائيلية الأخيرة على مطار أبو الظهور العسكري جاءت لتؤكد أن المشكلة ليست في “الورق”، بل في الإرادة الإسرائيلية للتنفيذ، فبينما كانت واشنطن تحاول بناء ترتيبات تمنع التصعيد، اختارت إسرائيل أن ترسل رسالة بالنار:
لن تسمح بإعادة بناء سلاح الجو السوري، ولن تقبل بأي واقع عسكري جديد قد ينشأ من تقارب سوري تركي.
هذه الضربة تكشف عن تناقض صارخ: كيف يمكن الحديث عن آليات لوقف الاعتداءات بينما الطائرات الإسرائيلية تواصل استهداف البنية التحتية السورية؟
وكيف يمكن بناء ثقة متبادلة إذا كان الطرف الإسرائيلي يفاوض بيد، ويقصف بالأخرى؟
المحادثات لم تقتصر على البعد الثنائي، بل تناولت أيضاً العلاقة بين تركيا وإسرائيل وضمان عدم انعكاس التوتر بينهما على الأراضي السورية، لكن الضربة على أبو الظهور أوضحت أن إسرائيل لا ترى في هذه الترتيبات سوى قيود على حركتها، وأنها مستعدة لاستخدام القوة لمنع أي معادلة إقليمية جديدة لا تناسب حساباتها.
الاجتماع في عمّان يفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد لكنه يكشف في الوقت نفسه عن العقدة المركزية:
هل يمكن لإسرائيل أن تقبل باتفاق يضمن أمنها ويعيد لسوريا سيادتها؟ أم أن المطلوب هو اتفاق يكرس واقع الاحتلال ويمنحها حرية الحركة داخل الأراضي السورية؟
الضربة على مطار أبو الظهور أجابت عملياً عن هذا السؤال: إسرائيل لا تزال ترى في القوة وسيلتها المفضلة لفرض الأمر الواقع. وهذا ما يجعل الطريق إلى تسوية شاملة طويلاً ومعقداً ويؤكد أن جوهر الصراع ليس فقط حول الترتيبات الأمنية
بل حول تعريف السيادة وحدودها في المشهد الإقليمي.






