أصدرت محكمة الجنايات في سوريا حكماً بالإعدام بحق وسيم الأسد، بعد إدانته بارتكاب جرائم وصفتها المحكمة بأنها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، إلى جانب جرائم قتل واحتجاز وتعذيب وانتهاكات أخرى ارتكبتها مجموعات مسلحة قال القرار إن المتهم قادها ووجهها خلال سنوات الثورة في سوريا.
ويأتي الحكم في الجلسة السادسة من محاكمة الأسد، التي حضرها عدد من القضاة والمحامين والناشطين والصحفيين وممثلين عن منظمات دولية وحقوقية، فيما تضمن القرار القضائي تفصيلاً لسياق الأحداث، والأفعال التي نسبت إلى المتهم، وأسس المسؤولية الجنائية التي اعتمدتها المحكمة.
ويُنظر إلى القضية، في سياق مسار العدالة الانتقالية في سوريا، باعتبارها إحدى المحاكمات التي تسعى إلى مساءلة شخصيات ارتبطت بتشكيلات مسلحة موالية للنظام السابق، بعيداً عن الاقتصار على محاكمة المنفذين المباشرين للانتهاكات.
من تشكيل مجموعات مسلحة إلى جرائم في الغوطة
بحسب قرار المحكمة، تعود بداية القضية إلى عام 2011، عندما شهدت سوريا احتجاجات شعبية سلمية واجهها النظام السابق بالقوة، قبل أن تتطور الأحداث إلى نزاع مسلح واسع.
ويذكر القرار أن النظام أنشأ خلال تلك المرحلة تشكيلات مسلحة رديفة، بينها قوات الدفاع الوطني والشبيحة والقوات المساندة، شاركت إلى جانب القوات النظامية والأجهزة الأمنية والميليشيات الأجنبية في العمليات العسكرية.
وقالت المحكمة إن “وسيم الأسد” التقى عام 2011 بالعميد غياث دلّة، الذي كان قائداً في الفرقة الرابعة، وجرى الاتفاق على تشكيل مجموعتين من المقاتلين ضمن القوات الرديفة.
وبحسب الحكم، درّب الأسد نحو 30 مقاتلاً جرى توزيعهم على مجموعتين، وأُبرمت لهم عقود رسمية مقابل رواتب، فيما تولى، وفق القرار، الإشراف على عملهما وتأمين السلاح والذخيرة والطعام والتمويل لهما.
وتركز نشاط المجموعتين في بلدة المليحة بالغوطة الشرقية ومحيطها، خلال الفترة الممتدة تقريباً بين عامي 2012 و2014.
القصف.. ثم السيطرة و”التعفيش”
يرسم قرار المحكمة نمطاً متكرراً للعمليات التي قالت إن مجموعة المتهم شاركت فيها.
وبحسب القرار، كانت القوات النظامية تبدأ بقصف المناطق المأهولة بالطيران والمدفعية والأسلحة المختلفة، ثم تتقدم مجموعتا المتهم لتثبيت نقاط السيطرة ومنع السكان من العودة إليها.
وأشار الحكم إلى أن المرحلة اللاحقة شهدت عمليات نهب للممتلكات، عُرفت على نطاق واسع باسم “التعفيش”، وظهور أسواق لبيع الأثاث والأدوات المنزلية التي قالت المحكمة إنها كانت مسروقة من المناطق التي تعرضت للعمليات العسكرية.
واعتبرت المحكمة أن هذا السلوك لم يكن منفصلاً عن السياق العسكري، بل جزءاً من نمط أوسع ارتبط بالعمليات التي شهدتها المنطقة.
مجزرة المليحة في صلب الحكم
خصص القرار جانباً من حيثياته لمجزرة وقعت عام 2013 على الطريق بين “المليحة وزبدين” وهما بلدات في الغوطة الشرقية، إثر قصف جوي ومدفعي أدى، وفق ما أورده الحكم، إلى مقتل نحو 75 مدنياً.
وأشار القرار إلى تعذر التعرف على نحو 30 جثة بسبب التفحم، فيما وثقت أسماء 44 ضحية من مناطق عدة في الغوطة الشرقية ودمشق وريفها، استناداً إلى توثيقات أشار إليها الحكم.
وخلصت المحكمة إلى ثبوت وقوع المجزرة، وإلى مسؤولية القوات المشاركة في القصف، معتبرة أن دور المجموعة التي قادها المتهم شكل، بحسب توصيفها القانوني، أحد عناصر المشروع الإجرامي المشترك.
مسؤولية القيادة لا التنفيذ المباشر فقط
من أبرز الجوانب التي تناولها الحكم تطبيق مبدأ مسؤولية الرئيس والقائد، إذ لم تقتصر المحكمة في تقييمها على الأفعال التي نفذها المتهم بصورة مباشرة، وإنما بحثت في موقعه القيادي وطبيعة علاقته بالمجموعات التي كان يشرف عليها.
واعتبرت المحكمة أن استمرار النشاط لأكثر من عامين، وتكرار النمط نفسه، ووجود التقارير المتبادلة وغياب المساءلة، تشكل قرائن على توافر القصد المشترك وقبول الوسائل المستخدمة لتحقيقه.
كما قالت إن المتهم كان جزءاً من مشروع أوسع هدفه قمع الحراك الشعبي من خلال عمليات واسعة ومنهجية ضد المدنيين، شملت القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري.
جرمانا.. ملف آخر في القضية
لم تقتصر وقائع الدعوى على أحداث الغوطة الشرقية، فبحسب القرار، ثبت للمحكمة أن مجموعة مرتبطة بالمتهم دخلت عام 2012 إلى محل تجاري في مدينة جرمانا، واستولت على محتوياته تحت تهديد السلاح، قبل أن تختطف صاحب المحل بسبب موقفه السياسي.
وتحدث الحكم عن تعرض الضحية وموقوفين آخرين للتعذيب في مكان غير معلوم، وعن تصفية ثلاثة موقوفين أمامه، ثم إخفاء جثامينهم في بساتين المليحة.
كما تضمن القرار شهادات عن تهديدات ذات طابع جنسي، وعن استهداف أشخاص بناءً على هويتهم أو مواقفهم، وهي وقائع استخدمتها المحكمة ضمن تقييمها لطبيعة الجرائم والقصد الجنائي.
اقرأ أيضاً: من قاعة المحكمة إلى ذاكرة الضحايا.. كيف وصلت محاكمة عاطف نجيب إلى حكم الإعدام؟
المحكمة تستبعد تهمة المخدرات
وفي جانب آخر، برأت المحكمة وسيم الأسد من تهمة الاتجار بالمخدرات وتهريبها، معتبرة أن الأدلة المقدمة لم تكن كافية لإثباتها.
وأشار القرار إلى عدم ضبط مواد مخدرة بحوزته وعدم وجود تحليل مخبري يثبت ذلك، كما اعتبر أن ظهوره في صورة مع شخص معروف بالاتجار بالمخدرات لا يشكل، بمفرده، دليلاً على ارتكابه الجريمة.
وأبقت المحكمة الباب مفتوحاً أمام النيابة العامة لإقامة دعوى جديدة في هذه التهمة إذا ظهرت أدلة إضافية.
الإعدام ومصادرة الأموال والتعويضات
انتهت المحكمة إلى إدانة المتهم بمجموعة من الجرائم، بينها جرائم وصفتها بأنها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، إضافة إلى القتل والحرمان من الحرية والتعذيب وجرائم أخرى وفق أحكام قانون العقوبات والقوانين ذات الصلة.
وحكمت المحكمة عليه بالإعدام، مع تنفيذ العقوبة الأشد وفق القواعد القانونية، كما قررت تثبيت الحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة وتحويله إلى حجز تنفيذي، قبل تقرير مصادرتها لصالح الخزانة العامة بعد تنفيذ الالتزامات المدنية.
كما ألزمته بالتعويض للمدعين الذين قبلت دعاواهم، مع إبقاء حق المتضررين الآخرين وذوي الضحايا والمفقودين في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقهم.
وسيم الأسد في قفص محكمة الجنايات أثناء النطق بالحكم مصدر الصورة وكالة الأنباء السورية سانا
ملف المفقودين حاضر في الحكم
لم يقتصر القرار على العقوبة، بل تضمن إجراءات مرتبطة بمصير الضحايا والمفقودين. وأمرت المحكمة بإحالة نسخة من القرار إلى الهيئة الوطنية للمفقودين بهدف المساعدة في البحث عن رفات أشخاص ورد أنهم دفنوا في بساتين المليحة، كما أبقت حقوق الجهات الرسمية في المطالبة بالأضرار التي لحقت بالمال العام والمرافق العامة.
وأبقت المحكمة كذلك حق النيابة العامة في ملاحقة مسؤولين ومساهمين آخرين لم تشملهم الدعوى الحالية، متى توفرت الأدلة اللازمة بحقهم.
حماية الشهود جزء من القرار
وأولى الحكم أهمية لحماية الشهود، إذ قررت المحكمة استمرار تدابير الحماية المقررة أثناء المحاكمة، مع حفظ الهويات الحقيقية للشهود المشمولين بالحماية في ملف سري.
كما حظرت نشر أو تداول أي معلومات يمكن أن تكشف هوية هؤلاء الشهود أو أماكن إقامتهم، تحت طائلة المسؤولية القانونية.
وتعكس هذه الإجراءات، في الجانب الإجرائي، حساسية القضايا التي تتناول جرائم ارتكبت خلال سنوات النزاع، ولا سيما عندما يكون الشهود من الضحايا أو ممن يمتلكون معلومات مباشرة عن الانتهاكات.
محاكمة تتجاوز اسم المتهم
يحمل الحكم أهمية تتجاوز العقوبة الصادرة بحق شخص واحد، نظراً إلى أن المحكمة حاولت في حيثياتها ربط الأفعال الفردية ببنية أوسع من التشكيلات المسلحة والقوات الرديفة التي شاركت في قمع المعارضة خلال سنوات الحرب.
وتبرز أهمية ذلك في سياق العدالة الانتقالية السورية، التي لا تتعلق فقط بإدانة الأفراد، وإنما أيضاً بتحديد المسؤوليات، وتوثيق الوقائع، وحفظ حقوق الضحايا، وكشف مصير المفقودين، وملاحقة المسؤولين عن الجرائم وفق الأدلة والقانون.
وفي هذا الإطار، يمثل الحكم اختباراً مبكراً لقدرة القضاء السوري على التعامل مع ملفات الانتهاكات الجسيمة، وعلى الموازنة بين مقتضيات المحاسبة وضمانات المحاكمة والإثبات، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام ملاحقة متهمين آخرين متى توفرت الأدلة.
وصدر الحكم بتاريخ 18 آب 2026، وهو حكم قابل للطعن بالنقض وفق ما ورد في منطوق القرار.
- طارق أبو البراء






