محمد حسام الدين غميرة

في سوريا الجديدة، قد لا يحتاج المواطن إلى مواجهة حاجز أمني كي يشعر أن الدولة ما زالت تنظر إليه بعين الشك. أحيانا تكفي نافذة في دائرة حكومية، وموظف يرفض معاملة، وورقة تعود إلى صاحبها بسبب خطأ لم يرتكبه. وأحيانا تكون العواقب أكثر قسوة بكثير: باب مخفر يُغلق خلف مواطن، ثم يخرج منه إلى المستشفى، أو لا يخرج منه حياً.

بين الحالتين مسافة هائلة في حجم الضرر، لكنها تطرح سؤالاً واحداً: هل تغيّرت طريقة تعامل الدولة السورية مع المواطن، أم أن بعض قواعد الدولة القديمة ما زالت تعمل داخل المؤسسات الجديدة؟ الحقيقة أن ما يجري اليوم هو امتداد لـ”هندسة اجتماعية” قديمة، بنيت عليها الدولة لعقود. كانت المؤسسات تُدار بعقلية “الرعية”، حيث يُنظر إلى الفرد باعتباره تهديداً محتملاً يجب احتواؤه وترويضه، وليس كشريك في العقد الاجتماعي. هذا الموروث لا يزول بمرسوم أو بتغيير وزير، إنه يترسب في ثقافة الموظف الصغير الذي يرى في ختمه سلاحاً، وفي ثقافة الشرطي الذي يرى في المواطن خصماً افتراضياً.

خلال الأيام الماضية، أعادت قضية وفاة الشاب محمد حسام الدين غميرة في اللاذقية هذا السؤال إلى الواجهة. غميرة، وفق رواية عائلته، دخل مخفر الحفة على خلفية شكوى تتعلق بسرقة مبلغ مالي، ثم خرج منه في حالة صحية حرجة، قبل أن يفارق الحياة بعد نقله إلى المستشفى. وتقول عائلته إنه كان يعاني من مرض الناعور، وإنها أبلغت عناصر المخفر بحالته الصحية وحذرت من تعريضه للضرب. ولا تزال ملابسات ما جرى داخل المخفر قيد التحقيق، فيما أُوقف عدد من العناصر على ذمة القضية.

القضية، لذلك، لا تتعلق فقط بما حدث لمحمد غميرة في تلك الساعات. إنها تضع أمام الحكومة ووزارة الداخلية سؤالا أكبر: ما الذي يحدث عندما يمتلك شخص يعمل داخل مؤسسة الدولة سلطة على حرية مواطن وجسده، من دون أن تكون هناك رقابة فورية وفعالة تمنع إساءة استخدام هذه السلطة؟ إنه سؤال عن غياب “الضمانة الأفقية”، ففي أي دولة متقدمة، لا تُترك سلطة الموظف أو رجل الأمن بلا مرآة تعكسها. هناك وجود لقنوات سريعة وفعالة للشكوى لا تضع عبء الإثبات كله على المواطن. أما هنا، فيبقى المواطن وحيداً في مواجهة نافذة الدائرة أو باب المخفر، فحتى إن وجد رقم شكوى، فهو غالباً يعود إلى الجهة نفسها التي يشتكي منها.

السؤال نفسه يظهر، بصورة أقل مأساوية، في مكان آخر من حياة السوريين اليومية. مواطن يراجع دائرة حكومية لإنجاز معاملة، فيجد نفسه أمام سلسلة من الإجراءات غير الواضحة، أو أمام موظف يتعامل معه باعتباره مشكلة يجب التخلص منها، وليس مواطناً يفترض أن تُخدم مصالحه. قد لا ينتهي الأمر هنا إلى مستشفى أو جنازة، لكنه يترك أثرا آخر: شعورا بأن الدولة لم تتغير بالقدر الذي تغيرت به صورتها السياسية.

المشكلة الحقيقية. إصلاح الدولة لا يعني تغيير الوزراء والمديرين والشعارات فقط. الدولة التي يختبرها المواطن ليست تلك الموجودة في البيانات الرسمية، وإنما الموظف الذي يستقبل طلبه، والشرطي الذي يوقفه، والقاضي الذي ينظر في قضيته، والجهة التي يستطيع اللجوء إليها عندما يتعرض للظلم. نحن بحاجة للتمييز بين “سيادة الدولة” و”سلطة الدولة”. فسيادة الدولة تعني فرض النظام والقانون لحماية المجتمع، أما سلطة الدولة على جسد المواطن وحريته فهي استثناء يجب أن يخضع لأقصى درجات الضبط. في سوريا الجديدة، يجب أن يكون الانتصار للأمن في ظل الحقوق وليس على حساب الحقوق. قتل الشاب غميرة هو انتهاك لخط أحمر يفصل بين دولة المؤسسات ودولة البلطجة المسلحة.

ولهذا، فإن قضية غميرة، مهما كانت نتائج التحقيق النهائي فيها، يجب ألا تُعامل باعتبارها حادثة منفصلة تنتهي بمجرد توقيف عدد من المتهمين أو إصدار بيان إدانة. وإذا أثبت التحقيق وقوع اعتداء أو تجاوز أدى إلى وفاته، فإن القضية تصبح اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الجديدة على محاسبة أفرادها، والامتحان الأصعب يكمن في التعامل مع التداعيات، فالاكتفاء بتوقيف المتهمين هو أقل الواجبات، لكن اختبار الدولة الجديدة الحقيقي يكون في خطوتين تاليتين: الأولى، تعويض عادل للعائلة كحق قانوني يعترف بخطأ مؤسسي. والثانية، إعلان كشف كامل عن الإجراءات التصحيحية التي ستُتخذ على مستوى التدريب الأمني وفي بروتوكول التعامل مع المرضى والمحتجزين، مع تحديد مهلة زمنية لتطبيق نظام الكاميرات وتسجيل الصوت في جميع مراكز التوقيف. فالثقة تُستعاد فقط بإجراءات ملموسة تشعر المواطن بأنه محور العملية السياسية برمتها.

ما زال التحقيق جارياً في وفاة محمد غميرة. ولكن حتى قبل صدور نتائجه، فإن الدولة الجديدة مدعوة للإجابة عن سؤال جوهري: لماذا يظل جسد المواطن السوري، بعد كل ما حدث، رهينةً لقرار شرطي أو نزوة موظف؟ لأننا لم نضع بعد حجر الأساس لدولة القانون، وهي الدولة التي تمنع الجريمة قبل وقوعها.
كل تأخير في إصلاح جهاز الدولة من الداخل، وكل تردد في وضع رقابة حقيقية على السلاح والبيروقراطية، هو ضريبة إضافية يدفعها السوري العادي. وغالبا ما تكون الضريبة، كما رأينا، هي الحياة ذاتها.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top