صرخة مجتمعية تبحث عن معالجة حكومية حازمة
تعد ظاهرة التسول في الشام، وتحديداً في شوارع العاصمة دمشق، واحدة من أخطر الأزمات الاجتماعية والأمنية التي تفاقمت بشكل مقلق . فلم يعد المشهد مجرد حالات فردية تدفعها الحاجة والفقر لاستجداء عطف المارة، بل تحول الأمر إلى ظاهرة منظمة وشبكات معقدة تديرها عقول خفية. هذا التحول الجذري نقل الظاهرة من إطار “العوز الإنساني” إلى دائرة “التهديد الأمني والاجتماعي” المباشر، مما يثير مخاوف حقيقية بين المواطنين، ويضع الحكومات والجهات المعنية أمام مسؤولية وطنية تتطلب معالجة حاسمة، فورية، ومستدامة.ملامح الظاهرة: عندما يتحول الاستجداء إلى مصدر للخوف لم يعد المتسول في الشارع يكتفي بطلب المساعدة الفردية، بل تبدلت السلوكيات لتصبح أكثر هجومية وإلحاحاً، وأحياناً عدوانية. بات المارة في الأسواق العامة والساحات الرئيسية، مثل “المرجة” و”الشعلان” ومحيط الجوامع الكبرى وريف دمشق ، يواجهون تصرفات تثير القلق والريبة. يترافق هذا الإلحاح الشديد في كثير من الأحيان مع محاولات للابتزاز العاطفي أو حتى التهديد اللفظي، مما يولد شعوراً عاماً بـالخوف وعدم الأمان في الفضاءات العامة. هذا الخوف ليس مجرد وهم، بل تعززه معطيات على الأرض؛ إذ تشير العديد من الشكاوى الاجتماعية إلى ارتباط وثيق بين بعض فئات المتسولين وشبكات الجريمة المنظمة. فقد تحول التسول في كثير من الأحيان إلى غطاء مثالي لعمليات السرقة والنشل، مستغلين الازدحام في الأسواق ووسائل النقل العامة. كما تُستخدم بعض الحالات لاستكشاف المنازل والأحياء السكنية ومراقبتها بغرض التخطيط لسرقتها لاحقاً، مما يجعل من وجود المتسولين العشوائي في الحارات الضيقة خطراً أمنياً داهماً يتجاوز فكرة طلب المعونة.شبكات الاستغلال: الوجه القبيح للجريمة المنظمةالعمق الحقيقي للمشكلة يكمن في تحول التسول إلى “مهنة” تدار عبر شبكات استغلال منظمة، تستهدف الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع: الأطفال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة. يتم توزيع هؤلاء الضحايا على نقاط جغرافية مدروسة بدقة وتوقيتات محددة تشهد ذروة الحركة المرورية والتجارية. تتعرض هذه الفئات لانتهاكات جسيمة؛ فالأطفال يُحرمون من حقهم الأساسي في التعليم والرعاية الصحية، ويُدفعون إلى الشوارع لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة أو في البرد القارس. هذا الاستغلال الممنهج لا يفرز خطراً آنياً فحسب، بل يؤسس لجيل كامل يعاني من الأمية والانحراف السلوكي، مما يجعله أرضاً خصبة للجريمة مستقبلاً، ويهدد البنية الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع بأكمله.الاستراتيجية الحكومية المطلوبة: من الحلول المؤقتة إلى المعالجة الجذريةأمام هذا الواقع المعقد، أثبتت الحلول التقليدية وقصيرة الأجل (مثل توقيع التعهدات العائلية بعدم العودة للتسول) عدم جدواها، إذ سرعان ما يعود المتسولون إلى الشوارع فور إطلاق سراحهم. إن مجابهة هذه الآفة تتطلب من الحكومة استراتيجية شاملة ترتكز على ثلاثة مسارات متوازية:أولاً: الحزم القانوني والملاحقة القضائيةيجب تفعيل القوانين الرادعة الصارمة وتعديلها لتواكب خطورة الظاهرة الحالية. ينبغي ألا تقتصر العقوبات على المتسول “الضحية”، بل يجب التركيز بشكل أساسي على ملاحقة “المحرضين” والمشغلين ومحركي هذه الشبكات خلف الكواليس. إن معاقبة مشغلي الأطفال بتهم الإتجار بالبشر واستغلال القصر هي الخطوة الأولى لتفكيك هذه المنظومة الإجرامية.ثانياً: تفعيل الرعاية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي تتحمل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المسؤولية الأكبر في تعزيز دور مراكز الرعاية والتأهيل، مثل مركز “الكسوة” ومراكز الرعاية الأخرى. يجب تحويل هذه المنشآت من مجرد دور احتجاز مؤقتة إلى مراكز تأهيل حقيقية تقدم الدعم النفسي، التدريب المهني، والتعليم الأساسي للأطفال. من خلال تمكين الضحايا واكتسابهم لمهارات يدوية أو تقنية، يمكن إعادة دمجهم في سوق العمل ليكونوا أفراداً منتجين يعتمدون على أنفسهم.ثالثاً: التنسيق المشترك وحملات التوعيةتتطلب المعالجة تعاوناً وثيقاً بين وزارة الداخلية، الشؤون الاجتماعية، الجمعيات الأهلية، ووسائل الإعلام. يجب إطلاق حملات توعية مجتمعية تحث المواطنين على توجيه تبرعاتهم وصدقاتهم إلى الجمعيات الخيرية المرخصة والموثوقة بدلاً من إعطائها للمتسولين في الشوارع، لأن المال المباشر يساهم بطريقة غير مباشرة في استمرار هذه التجارة وتغذية الشبكات التي تستغل الأطفال.
إن ظاهرة التسول في الشام لم تعد مجرد انعكاس لظروف اقتصادية ضاغطة، بل تحولت إلى ظاهرة مركبة تجمع بين الاستغلال، والسرقة، وبث الخوف في نفوس الآمنين. إن التهاون في علاجها يهدد بالقضاء على ما تبقى من أمن اجتماعي.
الاستئصال الجذري لهذه الآفة ليس ترفاً، بل هو ضرورة حتمية تتطلب إرادة حكومية صلبة، وتطبيقاً حازماً للقانون، مصحوباً ببرامج تنموية تضمن كرامة الإنسان وتحمي الأجيال القادمة من الضياع في أرصفة الشوارع






