تتجه التفاهمات بين الحكومة السورية ومجموعات محلية في محافظة السويداء نحو مسار تدريجي لإعادة ربط المؤسسات الحكومية بالمركز، بالتوازي مع إعادة تفعيل البلديات والشرطة والبحث في تشكيل مجلس جديد للمحافظة، فيما يبقى ملف “مليشيا الحرس الوطني” والسلاح المحلي العقدة الأبرز أمام استكمال التسوية.
وتشير المعطيات المتداولة من المشاركين في الاجتماعات إلى أن التفاهمات تجاوزت مرحلة البحث في إدارة الأزمة اليومية، لتلامس شكل العلاقة الإدارية والأمنية بين السويداء والحكومة السورية، وسط حديث عن خطة تنمية لعام 2027 تشمل المحافظة والبادية الشرقية، واستئناف مشاريع مدعومة دولياً بالتنسيق مع المجالس البلدية.
البلديات بوابة العودة إلى المؤسسات
يُعد ملف البلديات من أكثر الملفات تقدماً في التفاهمات الجارية، وفق مؤسس تيار “سوريون” نجيب أبو فخر، الذي شارك في النقاشات بين الحكومة ووفد من أهالي السويداء.
وقال أبو فخر بحسب ما نقله “موقع تلفزيون سوريا” إن التفاهمات تشمل مختلف مناطق المحافظة، وإن ملف البلديات بات “شبه منتهٍ”، مع بقاء أربع بلديات قيد التنسيق. وبحسب طرحه، أصبحت البلديات مرتبطة بالدولة في ما يتعلق بالخطط والميزانيات، فيما بدأت مؤسسات المحافظة إعداد احتياجاتها ضمن خطة عام 2027.
وتتضمن التفاهمات، وفق المعطيات نفسها، إعادة المجالس البلدية إلى العمل تحت إشراف المحافظة، بما يسمح باستئناف المشاريع الخدمية والمشاريع المدعومة دولياً، وفتح قنوات أكثر مباشرة لإيصال المساعدات وتنفيذ أعمال إعادة الإعمار.
ويرى المشاركون في النقاشات أن عودة البلديات يمكن أن تشكل مدخلاً عملياً لمعالجة الملفات اليومية للسكان، ولا سيما في المناطق التي تضررت أو نزح سكانها خلال الأحداث الأخيرة.
مجلس محافظة جديد بعد إعادة تفعيل البلديات
ولا يتوقف المسار الإداري عند البلديات، إذ يجري العمل، بحسب أبو فخر، على تشكيل مجلس محافظة جديد، يتبعه مكتب تنفيذي رسمي، بما يعيد تنظيم العلاقة بين المؤسسات المحلية والحكومة المركزية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع حديث عن إخضاع التعاون مع المنظمات الدولية لقنوات أكثر انتظاماً عبر البلديات، مع اعتماد آليات للرقابة والشفافية والحوكمة، بما يحد من إمكانية احتكار الدعم أو توجيهه خارج المؤسسات المحلية.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي حافظ قرقوط أن إعادة الخدمات عبر البلديات يمكن أن تنقل المحافظة من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى البحث عن حلول عملية لها، خصوصاً أن البلديات تتعامل بصورة مباشرة مع احتياجات السكان اليومية.
الشرطة تعود إلى وزارة الداخلية
في الجانب الأمني، يبدو ملف إعادة تفعيل الشرطة أكثر تقدماً من ملف دمج الفصائل المسلحة، وفق أبو فخر.
وبحسب الطرح الجاري، سيعاد ربط جهاز الشرطة مباشرة بوزارة الداخلية، على أن يجري اختيار العناصر من بين المتقدمين بطلبات انتساب قبل أحداث السويداء، مع حديث عن نحو أربعة آلاف طلب.
كما طُرح اختيار عناصر الحماية من أبناء المناطق نفسها، بهدف معالجة المخاوف الأمنية لدى السكان، على أن يكون المنتسبون مرتبطين رسمياً بوزارة الداخلية ويتقاضون رواتبهم منها.
ويختلف هذا المسار عن ملف ” ميليشيا الحرس الوطني”، الذي لا يزال، وفق المعطيات المطروحة، أكثر تعقيداً وبطئاً.
السلاح.. العقدة الأصعب
بحسب مصدر خاص نقلت عنه صحيفة “المدن”، فإن النقاشات السرية بين الحكومة السورية وحكمت الهجري لم تعد تقتصر على وقف إطلاق النار أو تبادل المحتجزين، بل وصلت إلى مسألة إعادة ربط السويداء بالدولة، بما يشمل دمج عناصر الحرس الوطني في وزارة الدفاع وإعادة الموظفين المدنيين والمؤسسات المحلية إلى الوزارات السورية.
ويواجه هذا الملف إشكالية أساسية تتمثل في موقف المجموعات المسلحة التي تشكلت خلال المرحلة الماضية. فوفق المصدر، ترى بعض هذه المجموعات أن السلاح كان وسيلة لحماية المحافظة خلال فترة غابت فيها قدرة الدولة على توفير الأمن، وبالتالي فإن التخلي عنه يحتاج إلى ضمانات تتعلق بالأمن والمحاسبة وعدم الانتقام.
في المقابل، تسعى الحكومة إلى أن تكون المؤسسات الأمنية والعسكرية تحت سلطة الدولة، وهو ما يجعل صيغة الدمج، وليس الحل الفوري للتشكيلات، أحد الخيارات المطروحة لتجاوز الخلاف.
تبادل الأسرى فتح باب التواصل
سبق النقاش حول الملفات الكبرى اتفاق على تبادل الأسرى والموقوفين بين الحكومة السورية و”مليشيا الحرس الوطني” بوساطة أميركية، شمل الإفراج عن 61 موقوفاً من أبناء السويداء مقابل 25 شخصاً كانوا محتجزين لدى الفصائل المسلحة.
ورغم محدودية التبادل مقارنة بحجم الأزمة، فإن العملية شكلت، بحسب المعطيات الواردة، اختباراً لإمكانية تنفيذ اتفاقات مباشرة بين الطرفين في ملف شديد الحساسية، وفتحت قناة للتواصل يمكن البناء عليها في ملفات أخرى.
التعليم والمغيبون.. ملفات ما تزال عالقة
ولا تزال ملفات عدة خارج إطار التسوية النهائية، في مقدمتها التربية والتعليم، والمغيبون ومجهولو المصير، والأسرى، وعودة الموظفين المفصولين إلى أعمالهم.
ويُعد ملف التعليم من أكثر الملفات حساسية، في ظل مخاوف من تعرض موظفي الدولة الذين سيعودون إلى المحافظة لاعتداءات، بينما طُرح من جانب الأهالي توفير حماية محلية لهم.
وتشير المعطيات إلى أن هذا الملف لم يحسم بعد، وسط مخاوف من أن يؤدي أي اعتداء إلى إعادة التوتر إلى نقطة الصفر.
وفي الوقت نفسه، يؤكد المشاركون في النقاشات أن معالجة الملفات الإدارية والخدمية لا تعني إغلاق ملف حقوق الضحايا، أو التخلي عن المطالب المتعلقة بالمحاسبة وكشف مصير المفقودين.
هل تستفيد السويداء من تجربة قسد؟
يدخل نموذج التفاهمات بين الحكومة السورية و”قسد” في النقاشات المتعلقة بالسويداء باعتباره تجربة يمكن الاستفادة من بعض آلياتها، خصوصاً في ما يتعلق بالفصل بين إعادة المؤسسات المدنية وملف الترتيبات العسكرية.
وبحسب المعطيات الواردة، فإن تجربة الحسكة أظهرت إمكانية إعادة الموظفين والمؤسسات المدنية إلى إطار الدولة، بالتوازي مع البحث في ترتيبات لدمج القوى العسكرية ضمن وزارة الدفاع.
ولا يعني ذلك بالضرورة نقل النموذج نفسه إلى السويداء، لكن بعض الأطراف ترى أن وجود تجربة سابقة قد يتيح صياغة ترتيبات انتقالية تضمن عودة مؤسسات الدولة من دون مطالبة القوى المحلية بالتخلي الفوري عن جميع أدواتها الأمنية.
حكمت الهجري أمام معادلة داخلية جديدة
يمثل الدخول في نقاش حول دمج «الحرس الوطني» تحولاً بالنسبة إلى حكمت الهجري، وفق ما يورده المصدر الذي نقلت عنه “المدن”.
فبعد مرحلة ارتكز فيها الخطاب المحلي على رفض عودة مؤسسات الدولة بالشكل السابق، يصبح التحدي الآن مرتبطاً بالتفاوض على شكل هذه العودة وضماناتها.
وتواجه قيادة القوى المحلية في هذا السياق معادلة داخلية معقدة، إذ لا تبدو جميع المجموعات والأطراف على الموقف نفسه من مسألة الدمج. فبينما يرى بعض السكان أن إعادة المؤسسات يمكن أن تخفف أعباء الحياة اليومية، يخشى آخرون من أن يؤدي التخلي عن السلاح من دون ضمانات إلى فقدان وسائل الحماية المحلية.
وبالتالي، فإن نجاح أي اتفاق لا يرتبط فقط بالتفاهم مع دمشق، وإنما أيضاً بقدرة الأطراف المحلية على بناء توافق داخلي حول شروطه ومراحله.
دمشق أمام اختبار الضمانات
في المقابل، تواجه الحكومة السورية اختباراً لا يقل صعوبة؛ فعودة المؤسسات لا تتعلق بفتح الدوائر الرسمية فقط، وإنما بضمان حقوق الموظفين، وانتظام الرواتب والخدمات، وتوفير حماية للعاملين، ومعالجة ملفات الاعتقال والانتهاكات والمحاسبة.
وتشير المعطيات إلى أن صيغة الدمج قد تكون أكثر واقعية من محاولة إلغاء القوى المحلية دفعة واحدة، لكن نجاحها يتطلب اتفاقاً واضحاً بشأن مستقبل العناصر المسلحة، وآليات إدماجهم، والجهة التي تتولى القيادة والتمويل، إضافة إلى الضمانات التي تمنع عودة الصدام.
إسرائيل حاضرة في حسابات التسوية
ولا ينفصل ملف السويداء عن العامل الإقليمي، ولا سيما إسرائيل التي برز دورها في مقاربة أحداث المحافظة خلال المرحلة الماضية.
وبحسب المعطيات الواردة، فإن استمرار السويداء خارج منظومة الدولة يبقي الباب مفتوحاً أمام تدخلات إقليمية ودولية تحت عناوين مختلفة، بينما يمكن لإعادة المؤسسات وربط الملفين الأمني والإداري بالدولة أن تقلص مساحة هذا التدخل.
كما أن أي تسوية في السويداء ستكون مرتبطة، بصورة غير مباشرة، بالمشهد الأوسع في الجنوب السوري، وبمستقبل العلاقة بين الدولة والقوى المحلية، وحدود الدور الخارجي في المحافظة.
تسوية على مراحل لا اتفاقاً واحداً
المؤشرات الحالية توحي بأن المسار في السويداء لا يتجه نحو اتفاق شامل يُنفذ دفعة واحدة، بل نحو تسوية متدرجة تبدأ بالملفات الأكثر قابلية للتنفيذ، مثل البلديات والخدمات والشرطة، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها السلاح ودمج القوى المحلية.
ويبدو أن نجاح هذا المسار سيتوقف على ثلاثة عوامل رئيسية: قدرة الحكومة على تقديم ضمانات عملية، وقدرة القوى المحلية على بناء توافق داخلي، وإبعاد الملفات الخدمية والإنسانية عن التجاذبات السياسية والأمنية.
وبينما قطعت بعض الملفات خطوات باتجاه إعادة مؤسسات الدولة إلى العمل، لا تزال الطريق أمام تسوية شاملة في السويداء طويلة، خصوصاً أن ملف السلاح والمحاسبة وحقوق الضحايا يبقى مرتبطاً بأسئلة أكبر من مجرد إعادة فتح المؤسسات.
- محمد جابر






