لوحة كاريكاتير مولدة بالذكاء الاصطناعي المواطن وفاتورة الكهرباء والمسؤول خاص مؤسسة جولان

منذ نحو ثمانية أشهر، رفعت الحكومة تعريفة الكهرباء بنسب تجاوزت في بعض الشرائح ستة أضعاف سعرها السابق. والفاتورة التي يدفعها المواطن اليوم، شهراً بعد شهر، ما زالت تساوي عند كثيرين راتباً كاملاً أو أكثر، في بلد يتجاوز فيه التقنين نصف ساعات اليوم.

هذه ليست شكوى موسمية تنتهي بانتهاء فصل الشتاء، هذا عبء بنيوي استقر في حياة الأسرة السورية، وتراكم على فقرٍ كان أصلاً يلامس تسعين بالمئة من السكان، وبطالة تتجاوز نصف القوى العاملة، وعملة فقدت قيمتها، وأجوراً لا تكفي حاجات أسرة متوسطة لأكثر من أيام معدودة.

وحين ترتفع كلفة الطاقة في اقتصاد بهذا الهشاشة، فإن الأثر لا يتوقف عند فاتورة الكهرباء، إذ ترتفع معها أسعار النقل والخبز والدواء والإيجار، لأن الطاقة هي العصب الذي يتحرك معه سعر كل شيء آخر.

تبرر الحكومة قراراتها بأن الدعم السابق كان غير مستدام، وأن خزينة الدولة شبه خالية، وأن لا بديل عن ترشيد الإنفاق تمهيداً لإصلاح حقيقي لقطاع الطاقة. وهذا التبرير يحمل قدراً من الصحة لا يمكن تجاهله: الخزينة منهوبة فعلاً، والبنية التحتية متهالكة فعلاً بعد سنوات من الحرب والإهمال.

لكن الإقرار بوجود عجز لا يبرر بالضرورة الطريقة التي وُزِّعت بها كلفة معالجته. فحين يدفع موظف متقاعد راتبه ثمانمئة ألف ليرة نصف هذا الراتب في فاتورة كهرباء واحدة، بينما يحتفظ من بنوا ثرواتهم على حساب نهب المال العام وتجارة الحرب بحرية كاملة في التصرف بأموالهم، تتحول كلمة الإصلاح إلى عبء يُحمَّل على من لا قدرة له على حمله، بدل أن يكون مساراً نحو استرداد الحقوق.

والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح هو: أين أموال من نهبوا سوريا طوال خمسين عاماً؟

صحيح أن لجاناً شُكِّلت لإحصاء ومصادرة أملاك رموز النظام البائد، وصدرت قرارات حجز احتياطي على أصول عدد من المتنفذين والمحسوبين عليه، وبدأت محاكمات لبعض رموز القمع، وهذه خطوات لا يصح التقليل من شأنها.

غير أن كثيراً من كبار المنتفعين من اقتصاد الفساد والحرب، من رجال أعمال ووسطاء وشركاء تجاريين لشبكات النظام السابق، ما زالوا أحراراً طلقاء، وبعضهم سوّى أوضاعه القانونية والأمنية بهدوء، ثم عاد يطرح مشاريع استثمارية وعقارية جديدة بالاسم نفسه أو بأسماء بديلة.

الثروة التي تكوّنت على حساب قوت الناس وحرياتهم ودمائهم لم تُعَد بعد إلى ثروة عامة تُدار بشفافية لمصلحة المتضررين والمهجَّرين وعائلات الضحايا، وظلت في الأغلب حبيسة الحسابات الخاصة، أو أُعيد توظيفها داخل دورة اقتصادية جديدة تحت غطاء قانوني مختلف.

وهنا يكمن جوهر القضية. العدالة الاجتماعية، في تعريفها الأبسط، توزيعٌ عادل للثروة والأعباء معاً، وليست شعاراً يُرفع في الخطابات الرسمية بمعزل عن الواقع المعيشي.

لا يمكن منطقياً أن تُطلب التضحية من الفقير وحده، بينما يُترك من جنى ثروته من النهب والابتزاز وتجارة الحرب يتصرف بأمواله دون مساءلة جدية. واسترداد الأموال المنهوبة، في هذا السياق، ليس عملاً انتقامياً، إنه شرط أساسي لأي عدالة اجتماعية حقيقية، ومصدر تمويل مشروع يمكن أن يخفف عن الدولة جزءاً من عجزها، بدل إلقاء هذا العجز كاملاً على كاهل من لا حول لهم.

فالمال الذي نُهب من قوت الناس ينبغي أن يعود إلى قوت الناس، لا أن يتحول إلى رأس مال جديد تقوده الوجوه القديمة بمسمّيات حديثة.

إن المطلوب اليوم منظومة محاسبة شفافة وسريعة وغير انتقائية، تُلاحق الثروات المشبوهة لكل من تورط في نهب المال العام أو بنى ثروته على معاناة السوريين وتهجيرهم، بصرف النظر عن موقعه الحالي أو علاقاته الجديدة، إلى جانب آلية واضحة لإعادة توزيع الأموال المستردة: دعم مباشر لأكثر الشرائح فقراً قبل أي زيادة جديدة في التعريفات، صندوق تعويضات لضحايا الحرب والتهجير، واستثمار حقيقي في إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه يخفف العبء عن الفقراء أولاً لا عنهم آخراً.

فالعدالة الانتقالية لا تكتمل بمحاكمة من قتلوا فقط، إنما تستكمل بمحاسبة من نهبوا، وبإعادة الحق إلى أهله بأشكاله المادية كما بأشكاله الرمزية.

تواجه الحكومة اليوم تحديات حقيقية لا يصح الاستهانة بها: عقوبات لم تُرفع بالكامل، بنية تحتية مدمَّرة، خزينة شبه فارغة، وملايين من النازحين والمهجرين يحتاجون عودة وإعادة تأهيل.

لكن إصلاحاً اقتصادياً لا يوازيه إصلاح في توزيع الثروة سيبقى إصلاحاً منقوصاً، ينتج غضباً شعبياً متصاعداً، كما تُظهره الوقفات الاحتجاجية المتكررة أمام وزارة الطاقة، وإضرابات المعلمين والعمال في أكثر من محافظة.

والناس لا يطلبون المستحيل، إنما يطلبون أن تُوزَّع التضحية بعدل، وأن لا يُسمح لمن نهب بأن يبني من جديد بينما يُسحق من لم ينهب تحت وطأة فاتورة لا يقوى على دفعها.

فالعدالة الاجتماعية، في نهاية المطاف، تُقاس بمن يدفع الثمن فعلاً، ولمن تعود الثروة فعلاً.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top