(في هذه المادة نتحدث عمّن لم يتورط بسفك دماء السوريين أو شارك في مجازر النظام البائد، بل أولئك الموظفين والإداريين والمعلين لأسر وعوائل وأطفال)
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى مستقبل سورية والتحديات الكبرى المرتبطة بإعادة بناء مؤسسات الدولة وإنعاش الاقتصاد وترميم النسيج الاجتماعي الذي أنهكته سنوات طويلة من الحرب والأزمات، تبرز قضية المسرّحين من وزارة الداخلية السورية كواحدة من أكثر القضايا إلحاحاً وحساسية. فهذه القضية لا تتعلق بمجموعة محدودة من الموظفين فقدوا وظائفهم فحسب، بل تمس عشرات الآلاف من المواطنين وعائلاتهم الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج منظومة العمل ومن دون مصدر دخل ثابت يضمن لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
لقد شكّل الراتب بالنسبة لهؤلاء الموظفين موردهم الأساسي، بل وفي كثير من الأحيان المورد الوحيد الذي تعتمد عليه أسرهم لتأمين احتياجاتها اليومية. ومع توقف هذه الرواتب، دخلت آلاف العائلات في دوامة من الضغوط الاقتصادية والمعيشية، في ظل ظروف استثنائية تعاني فيها البلاد من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل وازدياد معدلات الفقر. وأصبح السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف يمكن لدولة تسعى إلى تحقيق الاستقرار وإعادة البناء أن تتجاهل أوضاع هذه الشريحة الواسعة من أبنائها؟
إن المطالبة بإعادة الرواتب للمسرّحين من وزارة الداخلية ليست مجرد مطلب مالي أو فئوي، وإنما هي قضية ترتبط بمفاهيم العدالة الاجتماعية والمسؤولية الوطنية والاستقرار العام. فالدول الحديثة لا تُبنى فقط بالمشاريع العمرانية والاستثمارات الاقتصادية، وإنما تبنى أيضاً بالحفاظ على الإنسان وضمان حقوقه الأساسية وصون كرامته. ومن هذا المنطلق، فإن معالجة ملف المسرّحين يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي رؤية وطنية شاملة للمستقبل.
وتكمن أهمية هذا الملف في حجم الشريحة المتأثرة به. فعندما نتحدث عن عشرات الآلاف من المسرّحين، فإننا نتحدث في الواقع عن مئات الآلاف من الأفراد المرتبطين بهم من زوجات وأبناء وآباء وأمهات يعتمدون بصورة مباشرة أو غير مباشرة على دخل هؤلاء الموظفين. وبالتالي فإن أي قرار يتعلق برواتبهم أو أوضاعهم الوظيفية لا ينعكس على أشخاص بعينهم فقط، بل يمتد تأثيره إلى قطاعات واسعة من المجتمع.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن إعادة الرواتب أو إيجاد حلول مالية مناسبة للمسرّحين لا ينبغي النظر إليها بوصفها عبئاً إضافياً على خزينة الدولة، بل باعتبارها خطوة تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي. فالأموال التي يحصل عليها الموظفون تُنفق في الأسواق والمحلات التجارية وقطاعات الخدمات المختلفة، ما يؤدي إلى تنشيط الحركة الاقتصادية وتحفيز الطلب على السلع والمنتجات. وفي المقابل، فإن حرمان هذه الشريحة من الدخل يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية وانخفاض النشاط الاقتصادي في العديد من المناطق.
كما أن قضية المسرّحين ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسألة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها. فهؤلاء ليسوا أفراداً عاديين دخلوا سوق العمل حديثاً، بل هم أشخاص يمتلكون خبرات تراكمت عبر سنوات طويلة من الخدمة والعمل في مؤسسات الدولة. وقد اكتسبوا مهارات إدارية وتنظيمية ومهنية يمكن الاستفادة منها في مراحل إعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي. ومن غير المنطقي أن تُهدر هذه الخبرات في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل كفاءة وكل يد قادرة على العمل والإنتاج.
إن التجارب الدولية في الدول التي مرت بصراعات وأزمات مشابهة تظهر بوضوح أن نجاح عمليات إعادة البناء كان مرتبطاً بقدرة الحكومات على دمج مختلف فئات المجتمع في عملية النهوض الوطني. فالإقصاء والتهميش لم يكونا يوماً طريقاً للاستقرار، بينما أثبتت سياسات الدمج وإعادة التأهيل أنها أكثر قدرة على تحقيق الأمن والتنمية على المدى الطويل.
ومن زاوية اجتماعية، فإن استمرار معاناة المسرّحين يترك آثاراً عميقة على الأسر والمجتمعات المحلية. فالبطالة الطويلة وفقدان الدخل والشعور بعدم اليقين تجاه المستقبل تؤدي إلى ضغوط نفسية واجتماعية كبيرة. كما أن غياب الحلول قد يدفع بعض الأسر إلى اتخاذ قرارات قاسية مثل إخراج الأبناء من المدارس أو التخلي عن بعض الاحتياجات الأساسية من أجل البقاء. وهذه النتائج لا تمس الأفراد وحدهم، بل تنعكس على المجتمع بأسره.
أما من الناحية الأمنية، فإن العديد من الخبراء يؤكدون أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الإجراءات الأمنية التقليدية، وإنما من خلال توفير الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تمنح المواطنين الشعور بالانتماء والأمل والثقة بالمستقبل. فعندما يشعر الإنسان بأنه جزء من وطنه وأن حقوقه مصانة وأن أمامه فرصة للحياة الكريمة، يصبح أكثر استعداداً للمساهمة الإيجابية في المجتمع والدفاع عن استقراره.
ولهذا فإن التعامل مع ملف المسرّحين يجب أن ينطلق من رؤية استراتيجية بعيدة عن الحلول المؤقتة. ويمكن أن تشمل هذه الرؤية إعادة الرواتب أو صرف إعانات انتقالية مؤقتة، وإطلاق برامج لإعادة التأهيل والتدريب، وفتح المجال أمام العودة إلى العمل ضمن مؤسسات الدولة وفق احتياجاتها، إضافة إلى إشراك هذه الشريحة في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية المحلية. فالمطلوب ليس مجرد تقديم مساعدات مالية محدودة، بل توفير مسار واضح يعيد للمسرّحين دورهم ومكانتهم داخل المجتمع.
إن سوريا اليوم بحاجة إلى توحيد جهود جميع أبنائها من أجل تجاوز آثار السنوات الماضية والانطلاق نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف من خلال استبعاد عشرات الآلاف من المواطنين الذين يملكون الخبرة والرغبة في العمل وخدمة بلدهم. فالمسرّحون من وزارة الداخلية ليسوا عبئاً على الدولة كما قد يتصور البعض، بل يمكن أن يكونوا قوة فاعلة ومؤثرة في عملية البناء إذا ما أُتيحت لهم الفرصة المناسبة.
وفي نهاية المطاف، يبقى جوهر القضية بسيطاً وواضحاً: هؤلاء المواطنون أمام خيارين لا ثالث لهما. فإما أن يتم احتضانهم وإعادة دمجهم وتمكينهم اقتصادياً واجتماعياً ليكونوا جزءاً من مشروع إعادة بناء سوريا الحديثة، وإما أن يستمروا في مواجهة ظروف معيشية صعبة قد تخلق مزيداً من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي لا يحتاجها الوطن في هذه المرحلة الحساسة. ومن هنا فإن إعادة النظر في أوضاعهم وإيجاد حلول عادلة ومستدامة لهم لا يمثل استجابة لمطلب فئة معينة فحسب، بل استثماراً في استقرار سوريا ومستقبلها ووحدة مجتمعها.
فالأوطان القوية لا تُبنى بإقصاء أبنائها، بل بإشراكهم في صناعة مستقبلها، وتحويل طاقاتهم وخبراتهم إلى قوة منتجة تساهم في النهضة والتنمية. ولذلك فإن إنصاف المسرّحين من وزارة الداخلية وإعادة حقوقهم وفتح أبواب المشاركة أمامهم يجب أن يكون أولوية وطنية، لأنهم قادرون على أن يكونوا جزءاً من الحل، وشركاء حقيقيين في بناء سوريا التي يتطلع إليها جميع أبنائها.
فإمّا يكونوا جزءاً يخدم البلد أو قنايل موقوته لا نعرف متى تنفجر






