شكّلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، اليوم الإثنين 6 من تموز الحالي، محطة سياسية بارزة في مسار العلاقات بين سوريا وفرنسا، بعد سنوات طويلة من التوتر والقطيعة التي طبعت العلاقة بين البلدين منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011.
وتحمل الزيارة اليوم، أبعاداً سياسية واقتصادية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تعكس توجهاً جديداً نحو تعزيز التعاون بين دمشق وباريس في مرحلة ما بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، وبدء مرحلة جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
ونذكر في مادتنا أن آخر زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا، تعود إلى عام 2008 عندما زار الرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولا ساركوزي، دمشق في إطار مساعٍ فرنسية لتعزيز الانفتاح السياسي والاقتصادي مع سوريا آنذاك، إلا أن تلك المرحلة لم تستمر طويلاً مع تطورات المشهد السوري بعد عام 2011.
ومع اندلاع الثورة السورية، اتخذت فرنسا مواقف متشددة تجاه نظام الأسد البائد، حيث أغلقت سفارتها في دمشق عام 2012، وساندت الجهود الدولية الرامية إلى محاسبة مسؤولي النظام على الانتهاكات المرتكبة بحق السوريين، كما دعمت قوى المعارضة السورية سياسياً خلال سنوات الصراع.
وبالنسبة إلى ملف اللاجئين السوريين، تبنّت فرنسا خلال سنوات الثورة السورية سياسة تقوم على رفض الإعادة القسرية للسوريين في ظل غياب الظروف الآمنة للعودة، مع منح الحماية لآلاف اللاجئين والتركيز بشكل خاص على استقبال الأكاديميين والصحفيين وأصحاب الكفاءات.
ومع التحولات التي شهدتها سوريا خلال المرحلة الأخيرة، بات ملف العودة الطوعية يحتل موقعاً متقدماً في الحوار بين دمشق وباريس، حيث ترى فرنسا أن تعزيز الاستقرار، ودعم التعافي الاقتصادي، وترسيخ مؤسسات الدولة وسيادة القانون، تشكل ركائز أساسية لتهيئة البيئة المناسبة التي تشجع السوريين على العودة والمساهمة في إعادة بناء بلادهم.
وبعد تحرير سوريا في 8 ديسمبر 2024، والتغيير السياسي الذي شهدته سوريا بعد سقوط نظام الأسد، بدأت الاتصالات بين الجانبين تأخذ منحى مختلفاً، كان أبرزها استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للرئيس أحمد الشرع في باريس خلال عام 2025، في لقاء اعتُبر آنذاك مؤشراً على بدء إعادة بناء العلاقات الثنائية وفتح صفحة جديدة بين البلدين.
أما زيارة ماكرون الحالية إلى دمشق، تأتي في إطار تعزيز هذا المسار، حيث يرافقه وفد اقتصادي واستثماري، يضم ممثلين عن شركات فرنسية كبرى لبحث فرص التعاون في مجالات إعادة الإعمار والبنية التحتية والتطوير التقني، إضافة إلى دعم جهود النهوض الاقتصادي وتعزيز الشراكات بين المؤسسات السورية والفرنسية.
كما يتوقع أن تتناول المباحثات ملفات تتعلق بعودة اللاجئين السوريين، وتهيئة الظروف المناسبة لاستقرارهم داخل البلاد، إلى جانب بحث قضايا الأمن الإقليمي والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والتأكيد على احترام سيادة الدول وتعزيز التعاون المشترك بما يخدم مصالح شعوب المنطقة.
وتأتي زيارة ماكرون اليوم إلى سوريا ولقائه مع الرئيس أحمد الشرع، لتشكل مؤشراً على مرحلة جديدة من الانفتاح الدولي على سوريا، وتعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين دمشق والعواصم الأوروبية، مع تركيز متزايد على التعاون الاقتصادي ودعم الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
- صهيب الابراهيم






