‪ مراسم تأبين المرشدعلي خامنئي المصدر الشرق الأوسط

لم يكن مشهد الوفود العربية وهي تقف أمام جثمان المرشد الإيراني علي خامنئي حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل كان رسالة سياسية مكتملة الأركان، صيغت بعناية لتُقدَّم إلى الرأي العام العربي والإسلامي بوصفها دليلاً على «وحدة الأمة» و«تجاوز الانقسامات». 

غير أن القراءة الدقيقة تكشف أن الرسالة الحقيقية لم تكن سوى محاولة لإعادة هندسة الوعي العربي، وتطبيع صورة الرجل الذي ارتبط اسمه خلال العقود الماضية بخراب العواصم العربية، وتمدد الميليشيات، وتفكيك المجتمعات، وتحويل الجغرافيا إلى ساحات نفوذ وصراع.

لقد أرادت طهران، ومعها القوى المتحالفة معها، أن تُظهر خامنئي في لحظاته الأخيرة بوصفه «رمزاً جامعاً»، وأن تُسقط عن سيرته السياسية كل ما ارتبط بها من حروب وتدخلات وانتهاكات.

فحضور الوفود العربية لم يكن مجرد مشاركة دبلوماسية، بل كان جزءاً من أكبر عملية تدليس للذاكرة في تاريخ المنطقة الحديثة، إذ جرى تقديم الرجل باعتباره «شهيداً» تُتلى على روحه الفاتحة، رغم أن السياسات التي قادها كانت سبباً مباشراً في سقوط بغداد، ودمار دمشق، وانهيار صنعاء، وتفكك بيروت، وتحوّل المنطقة إلى مسرح صراع دائم.

إن تحويل خامنئي إلى «رمز روحي» أمام الجمهور العربي والإسلامي ليس فعلاً بريئاً، بل خطوة محسوبة تهدف إلى إعادة صياغة السردية التاريخية للصراع، وإلغاء ذاكرة الضحايا، وتقديم صورة جديدة تتناقض جذرياً مع الوقائع. 

فالرجل الذي قاد مشروعاً توسعياً اعتمد فيه على الميليشيات العابرة للحدود، وبارك عمليات القتل والتهجير، ووفّر الغطاء السياسي والعسكري لتدمير المدن، يُعاد اليوم تقديمه بوصفه «قائداً إصلاحياً» و«حامياً لفلسطين »، في محاولة لطمس الحقيقة وإعادة إنتاجها وفق رواية المنتصر.

كما أن هذا المشهد يعبّر عن رغبة بعض القوى العربية والإسلامية في إعادة التموضع السياسي، عبر إرسال إشارات تهدئة أو تقارب مع إيران، ولو كان ذلك على حساب الذاكرة الجمعية لجمهور واسع دفع أثماناً باهظة نتيجة السياسات الإيرانية.

 إن الوقوف أمام الجثمان لم يكن تعبيراً عن احترام شخصي، بقدر ماهو رسالة سياسية موجهة إلى طهران، وإلى الداخل العربي أيضاً، مفادها أن مرحلة جديدة تُرسم، وأن إعادة تعريف الخصومات والتحالفات باتت جزءاً من حسابات البقاء السياسي.

لكن أخطر ما في المشهد هو محاولة تحويل المأساة إلى طقس ديني، وإلباس الصراع السياسي ثوباً روحياً، بحيث يصبح نقد السياسات الإيرانية أو رفض تدخلاتها فعلاً «غير أخلاقي» أو «غير إنساني» في لحظة الموت.

 هذه المشهد ليس جديداً في عالم السياسة بل يستخدم عادة لإعادة إنتاج الرموز وتحصينها من النقد، ولإجبار الجمهور على قبول سردية واحدة لا تسمح بالمراجعة أو المحاسبة.

إن الوفود العربية التي وقفت أمام الجثمان لم تكن تمثل الأمة، بل كانت تمثل حساباتها السياسية الخاصة.

 أما الأمة الإسلامية، بذاكرتها ووجدانها وتجاربها، فهي تدرك أن تحويل خامنئي إلى «شهيد» ليس سوى محاولة لطمس حقائق دامغة، وأن الفاتحة التي قُرئت أمام جثمانه لا يمكن أن تمحو آثار السياسات التي مزّقت المجتمعات، وغيّرت الخرائط، ودفعت ملايين الناس إلى النزوح واللجوء.

في النهاية، يبقى المشهد محاولة لإعادة كتابة التاريخ، لكن التاريخ الحقيقي محفوظ في ذاكرة الشعوب، لا في مراسم التشييع.

 وما جرى لم يكن تعبيراً عن وحدة الأمة، بل كان اختباراً جديداً لقدرة الوعي العربي على مقاومة التزييف، والتمسك بسرديته الأصيلة بعيداً عن محاولات إعادة تشكيلها وفق مصالح الآخرين.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top