الإرهاب يجرّب كسر الحياة… والسوريون يردّون بالثبات
مرة أخرى تحاول يد الإرهاب أن تكتب رسالتها بالدم في قلب مدينة دمشق ، عبر تفجير استهدف مقهىً مدنيًا في لحظة يفترض أن تكون عادية من حياة الناس اليومية. لحظة جلوس، حديث، استراحة قصيرة من صخب الحياة، تحولت إلى مشهد ألم وصدمة، وإلى محاولة جديدة لضرب معنى الاستقرار في المدينة. لكن ما يتكرر في كل مرة، هو أن هذه الجرائم، رغم قسوتها، لا تنجح في تحقيق هدفها الأساسي: كسر المجتمع أو تفكيك إرادته. فالإرهاب قد يترك جراحًا عميقة، لكنه لا يصنع مستقبلًا، ولا يفرض معادلة دائمة، ولا يستطيع أن يمحو ذاكرة شعب اعتاد أن ينهض بعد كل سقوط.
في هذا الحادث الأليم، سقط شهداء وجرحى محامون، أولئك الذين يشكلون مع القضاة جناحي العدالة في أي مجتمع. فالعدالة ليست مفهوماً نظرياً مجرداً، بل هي منظومة حيّة تعتمد على أشخاص يحملون عبء الدفاع عن القانون وتطبيقه، وحماية الحق من الانهيار تحت ضغط العنف والفوضى.
استهداف رجال القانون لا يمكن قراءته كحادث عرضي، بل هو رسالة موجهة إلى فكرة الدولة ذاتها، وإلى فكرة أن النزاعات تُحل داخل قاعات القضاء لا في ساحات الرعب. وعندما يُستهدف محامٍ أو قاضٍ أو أي عنصر في منظومة العدالة، فإن الهدف يتجاوز الشخص إلى محاولة ضرب ثقة المجتمع بأن القانون قادر على حمايته.
لكن التجربة تثبت أن هذه المحاولات، مهما كانت عنيفة، لا تؤدي إلا إلى نتيجة معاكسة؛ مزيد من التمسك بالقانون، ومزيد من الإيمان بأن العدالة هي الطريق الوحيد للخروج من دوامة العنف.
الإرهاب في جوهره يقوم على فكرة واحدة هو فرض الخوف كبديل عن النظام، والفوضى كبديل عن الدولة. لكنه في الواقع يفشل دائمًا في تحويل الخوف إلى مشروع سياسي أو اجتماعي مستدام. لأن الخوف بطبيعته حالة مؤقتة، بينما المجتمعات تبني نفسها على الاستمرارية.
إن استهداف الأماكن المدنية في الشام ليس مجرد عمل عنف، بل محاولة لخلخلة الإحساس اليومي بالأمان، وزرع فكرة أن الحياة الطبيعية لم تعد ممكنة. غير أن ما يثبت في كل مرة هو العكس: أن الناس يعودون إلى شوارعهم، وأن الحياة تستأنف مسارها رغم الألم. لكن الحاجة إلى تطوير التشريعات نحو قانون مكافحة إرهاب أكثر شمولًا، و في سياق مواجهة هذه التهديدات، يبرز النقاش القانوني حول ضرورة تحديث وتطوير التشريعات الناظمة لمكافحة الإرهاب، بما يتناسب مع تطور أشكال الجريمة وتعقيدها، ومع التحولات الاجتماعية والأمنية التي شهدتها السنوات الماضية.
القوانين السابقة، ومنها الإطار التشريعي الصادر عام 2012، وضعت في سياق معين، لكن الواقع اليوم يفرض مراجعة شاملة تأخذ بعين الاعتبار : تعريف أكثر دقة وشمولًا للأعمال الإرهابية، بما يمنع التوسع غير المنضبط في التفسير، ويضمن في الوقت ذاته عدم إفلات أي فعل يستهدف المدنيين أو يهدد السلم الأهلي من المساءلة.
تعزيز ضمانات العدالة والإجراءات
بحيث يبقى تطبيق القانون ضمن إطار يحفظ حقوق المتهمين ويمنع أي استخدام تعسفي، لأن قوة القانون لا تكمن فقط في شدته، بل في عدالته أيضًا. و يجب ان يكون التنسيق بين المؤسسات القضائية والأمنية، بشكل يضمن تحقيق العدالة دون المساس باستقلال القضاء أو دور المحامين كطرف أساسي في منظومة الدفاع. فمكافحة الإرهاب لا تقتصر على البعد الأمني فقط، بل تشمل مواجهة الأفكار التي تغذي العنف، من خلال التعليم، والإعلام، والسياسات الاجتماعية.
إن تطوير قانون مكافحة الإرهاب لا يجب أن يكون رد فعل فقط، بل رؤية شاملة تحمي المجتمع وتمنع تكرار المأساة.
من أخطر ما يرتبط ببعض أشكال الإرهاب هو استخدام ما يُعرف بالعبوات الناسفة او بالعمليات الانتحارية، وهي ممارسة تحمل في طياتها أبعاداً نفسية واجتماعية معقدة، تتجاوز الحدث نفسه إلى جذور عميقة من الاستغلال والتضليل.
رجال القانون هم خط الدفاع الأخير عن فكرة الدولة
في مواجهة هذا الواقع، يبقى رجال القانون من محامين وقضاة هم الركيزة الأساسية لاستمرار فكرة العدالة. فهم ليسوا فقط منفذين للنصوص القانونية، بل هم حماة الفكرة التي تقول إن الحق لا يُنتزع بالقوة، بل يُسترد عبر القانون.
وجودهم في ساحات العدالة هو إعلان دائم أن الدولة لم تنهَر، وأن المجتمع ما زال يؤمن بأن هناك طريقًا آخر غير العنف. لذلك فإن استهدافهم يحمل رمزية خطيرة، لأنه محاولة لضرب هذا المعنى الرمزي قبل أن يكون ماديًا.
لكن التاريخ في كل تجاربه يثبت أن استهداف العدالة لا يؤدي إلى اختفائها، بل إلى إعادة ترسيخها بشكل أقوى، لأن المجتمعات عندما تُجرح في عدالتها، تتمسك بها أكثر.
بين الألم وإرادة الحياة
الإرهاب قد ينجح في إحداث الألم، لكنه يفشل في تحويل الألم إلى استسلام. فكل تفجير، مهما كان حجمه، لا يغير حقيقة أن المدن تُبنى بالإرادة، وأن المجتمعات تُحفظ بالقانون، وأن العدالة ليست فكرة يمكن إسقاطها بعمل عنف.
إن ما بعد الحادث ليس فقط لحظة حزن، بل لحظة إعادة تأكيد على أن الحياة مستمرة، وأن القانون يجب أن يتطور، وأن المجتمع يجب أن يحصّن نفسه فكريًا وتشريعيًا، وأن العدالة، رغم كل الجراح، تبقى هي الجواب الوحيد الممكن على الفوضى.
اخيراً.. قد يهزّ التفجير الجدران، لكنه لا يهزّ القيم. وقد يترك ندبة في المكان، لكنه لا ينجح في تركها في الضمير الجمعي. ما بين الألم والغضب، تبقى الحقيقة ثابتة: أن الإرهاب لن يكسر السوريين، وأن العدالة، بجناحيها من محامين وقضاة، ستبقى واقفة مهما حاولت يد العنف أن تكسر أحد جناحيها. فالقانون قد يُستهدف، لكنّه لا يسقط. والعدالة قد تُجرح، لكنها لا تموت.





