مجلس الشعب

مع إعلان رئيس الجمهورية الانتقالي، في الأول من تموز/يوليو 2026، أسماء أعضاء “الثلث المكمّل” لمجلس الشعب بموجب المرسوم الرئاسي رقم (143) لعام 2026، اكتمل تشكيل أول مجلس شعب في المرحلة الانتقالية السورية، ليصبح المجلس مؤلفاً من 210 أعضاء، بينهم 140 عضواً جرى اختيارهم عبر الهيئات الناخبة، و70 عضواً عُيّنوا بمرسوم رئاسي. ويُعد هذا الاستحقاق أحد أبرز محطات بناء مؤسسات الجمهورية السورية الجديدة، ويؤسس لبدء مرحلة تشريعية ينتظر منها السوريون رسم ملامح الدولة بعد سنوات طويلة من الصراع.

ولم يكن الوصول إلى هذه اللحظة وليد قرار واحد، بل جاء بعد مسار انتخابي امتد على مراحل خلال عامي 2025 و2026، حيث أُجريت انتخابات الهيئات الناخبة تباعاً في المحافظات التي توافرت فيها الظروف المناسبة، تحت إشراف الحكومة الانتقالية. واختُتم هذا المسار بإعلان قائمة الثلث المكمّل في الأول من تموز/يوليو 2026، ليكتمل البناء الدستوري للمجلس وتصبح المؤسسة التشريعية جاهزة لمباشرة أعمالها.

ورغم اكتمال الانتخابات قبل أشهر في عدد من المحافظات، فإن انعقاد مجلس الشعب تأخر حتى اكتمال تشكيله. ويعود ذلك إلى مجموعة من الاعتبارات السياسية والأمنية والتنظيمية التي رافقت المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها حرص الدولة على توسيع قاعدة المشاركة وضمان تمثيل مختلف المناطق السورية، إلى جانب استكمال الترتيبات اللازمة لإعادة دمج المناطق التي عادت إلى مؤسسات الدولة خلال الفترة الماضية.

وفي هذا السياق، شهدت الأشهر الأخيرة خطوات متقدمة لدمج مناطق شمال وشرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة، ما أتاح إجراء الانتخابات في محافظات الحسكة والرقة وأجزاء من ريف حلب، إلى جانب بقية المحافظات السورية. واستثنيت محافظة السويداء من العملية الانتخابية في هذه المرحلة بسبب الظروف الأمنية القائمة، واستمرار وجود مجموعات مسلحة خارجة عن إطار الدولة، في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها للوصول إلى تسوية تضمن استعادة الاستقرار وبسط سيادة القانون.

كما أتاح التأخير فرصة لإعادة دراسة تركيبة المجلس بدقة، بما يحقق أفضل مستوى من التمثيل الوطني. فقد استند اختيار الأعضاء إلى معايير متعددة، شملت الكفاءة والخبرة، والتوزيع الجغرافي، وتمثيل مختلف المكونات الاجتماعية والقومية والدينية، إضافة إلى تعزيز مشاركة المرأة، واختيار شخصيات أكاديمية وقانونية وإعلامية ونخب وطنية برزت خلال سنوات التحول، بما يعكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوري.

ويحظى مجلس الشعب بأهمية استثنائية في هذه المرحلة، إذ يُنظر إليه بوصفه المؤسسة الدستورية الأهم لإنجاح العملية الانتقالية. فنجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بتشكيل المؤسسات، بل بقدرتها على إنتاج تشريعات حديثة، وممارسة رقابة فعالة على أداء السلطة التنفيذية، وترجمة المطالب الشعبية إلى قوانين وسياسات تسهم في ترسيخ دولة المؤسسات.

وبعد ما يقارب عامين على انطلاق المرحلة الانتقالية، أصبحت أولويات الدولة أكثر وضوحاً، سواء في الإصلاح السياسي والإداري، أو إعادة بناء الاقتصاد، أو تحديث المنظومة القانونية، أو استكمال مسار العدالة الانتقالية. وينتظر مجلس الشعب الجديد عمل تشريعي واسع، في ظل وجود مئات النصوص القانونية التي تحتاج إلى مراجعة أو تعديل أو إصدار جديد، بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الجديدة.

ولم تقتصر الاستعدادات على اختيار أعضاء المجلس، بل شملت أيضاً تطوير البنية التحتية للمؤسسة التشريعية، وتحديث أنظمة التصويت والإدارة الإلكترونية والرقابة البرلمانية، إلى جانب إعداد وتأهيل الكوادر البرلمانية خلال فترة الانتظار، بهدف بناء مؤسسة تشريعية حديثة تستند إلى أفضل الممارسات البرلمانية المعاصرة، وتواكب التطور الذي تشهده البرلمانات في العالم.

ورغم أن آلية تشكيل المجلس خلال المرحلة الانتقالية تختلف عن النماذج التقليدية في المنطقة، من خلال اعتماد هيئات ناخبة يعقبها تعيين ثلث مكمّل بقرار من رئيس الجمهورية، فإن هذا النموذج جاء استجابة لخصوصية الواقع السوري بعد سنوات الحرب، وسعياً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن والاستقرار والتمثيل الوطني في مرحلة استثنائية.

وتُعلّق آمال كبيرة على هذا المجلس بوصفه أول سلطة تشريعية في الجمهورية السورية الجديدة، إذ سيكون مسؤولاً عن صياغة القوانين التي ترسم ملامح الدولة القادمة، وتعزز سيادة القانون، وترسخ مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وتحمي الحقوق والحريات، وتؤسس لعلاقة أكثر فاعلية بين المواطن ومؤسسات الدولة.

لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً خلال سنوات الصراع في سبيل الحرية والكرامة، وتحملوا آثار الاستبداد والحرب والانقسام.
واليوم تتجه الأنظار إلى مجلس الشعب باعتباره حلقة الوصل بين المجتمع والدولة، والمنبر الذي ينقل صوت المواطنين إلى مراكز صنع القرار، ليؤدي دوره في سن التشريعات، ومراقبة أداء الحكومة، والإسهام في بناء دولة حديثة تقوم على القانون والمؤسسات، وتلبي تطلعات السوريين إلى الأمن والاستقرار والتنمية والعدالة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top