يحلّ اليوم الدولي لمكافحة المخدرات هذا العام وسط تصاعد التحديات التي تواجهها الدول في مكافحة الاتجار بالمخدرات، مع ارتفاع أعداد المتعاطين وظهور أنواع جديدة من المواد المخدرة الاصطناعية، بالتزامن مع توسع شبكات التهريب العابرة للحدود. وفي هذا المشهد العالمي، تسعى سوريا إلى ترسيخ موقع جديد في هذا الملف، يقوم على تفكيك البنى الإجرامية التي نشأت خلال السنوات الماضية، وتعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بالتوازي مع إطلاق برامج وطنية للوقاية والعلاج.
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) لعام 2026 إلى أن تجارة المخدرات تشهد تحولات متسارعة، مدفوعة بالتطور التكنولوجي والاضطرابات الدولية، الأمر الذي جعل شبكات الاتجار أكثر قدرة على التكيف وتجاوز الحدود.
ووفق التقرير، بلغ عدد متعاطي المخدرات حول العالم خلال عام 2024 نحو 331 مليون شخص، أي ما يعادل 6.2% من السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 عاماً، مقارنة بـ5.2% قبل عشرة أعوام. ولا يزال القنب أكثر المواد انتشاراً بـ256 مليون متعاطٍ، يليه الأفيونيات بـ63 مليوناً، ثم الأمفيتامينات والكوكايين والإكستاسي.
كما رصد التقرير توسعاً في سوق المواد ذات التأثير النفساني الجديدة (NPS)، التي بلغ عددها 755 مادة عام 2024، بينها 118 مادة ظهرت للمرة الأولى، في مؤشر على تطور أساليب التصنيع غير المشروع وسرعة ابتكار مركبات جديدة لتجاوز الرقابة القانونية.
وفي موازاة هذه التحولات، تشهد سوريا تغيراً في مقاربتها لهذا الملف، بعد أن ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بإنتاج الكبتاغون وتهريبه. فمع سقوط النظام السابق، بدأت السلطات حملة واسعة لتفكيك معامل التصنيع وملاحقة شبكات التهريب التي كانت تنشط داخل البلاد وعبر الحدود.
وأكد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في كانون الأول/ديسمبر 2025 تعطيل الإنتاج واسع النطاق للكبتاغون داخل سوريا، بعد تفكيك 15 منشأة تصنيع و13 موقع تخزين منذ نهاية عام 2024، وهو ما أدى إلى اضطرابات في سوق الكبتاغون وارتفاع أسعاره في المنطقة.
وفي المقابل، حذر التقرير من أن تراجع إنتاج الكبتاغون قد يدفع بعض المتعاطين إلى التحول نحو مواد مخدرة اصطناعية أخرى، مثل الميثامفيتامين، ما يجعل تعزيز إجراءات الوقاية والعلاج مكملاً ضرورياً للجهود الأمنية.
وبالتزامن مع اليوم الدولي لمكافحة المخدرات، أطلقت وزارتا الداخلية والصحة حملة وطنية تحت شعار “سورية دون مخدرات”، في إطار استراتيجية تقوم على الجمع بين الردع الأمني والرعاية الصحية.
ويؤكد مدير إدارة مكافحة المخدرات العميد خالد عيد أن المتعاطي يُعامل بوصفه شخصاً يحتاج إلى العلاج وإعادة التأهيل، بينما تُركز الإجراءات الأمنية على ملاحقة المروجين والمهربين باعتبارهم المسؤولين عن تهديد أمن المجتمع واستقراره.
وتشير بيانات إدارة مكافحة المخدرات إلى تنفيذ 1550 عملية ضبط منذ التحرير، أسفرت عن تفكيك 90 شبكة تهريب دولية وإغلاق 17 معملاً لتصنيع الكبتاغون.
وشملت أبرز المضبوطات:
- 697 مليون حبة كبتاغون.
- 15 طناً من الحشيش.
- 10 ملايين حبة من الأدوية المخدرة.
- 180 كيلوغراماً من الكوكايين.
- 84.5 كيلوغراماً من الكريستال ميث.
- 7 كيلوغرامات من الهيرويين.
- 221 طناً من المواد الكيميائية الأولية المستخدمة في تصنيع المخدرات.
وتعكس هذه الأرقام حجم النشاط الذي كانت تديره شبكات الاتجار بالمخدرات، كما تعكس حجم الجهود التي تبذلها السلطات لاستعادة السيطرة على هذا الملف من خلال تطوير أدوات المكافحة وتعزيز التعاون الأمني والقضائي مع الدول المعنية.
وتؤكد الأمم المتحدة أن تجارة المخدرات أصبحت أحد أكبر مصادر تمويل الجريمة المنظمة، إذ ترتبط بعمليات غسل الأموال والفساد وتمويل أنشطة غير مشروعة، بينما تبقى الفئات الشابة الأكثر عرضة للاستغلال، سواء عبر الإدمان أو استقطابها للعمل ضمن شبكات الترويج والتهريب.
ولهذا تدعو المنظمة إلى اعتماد استجابة شاملة لا تقتصر على الملاحقة الأمنية، وإنما تشمل توسيع خدمات العلاج وإعادة التأهيل، وتعزيز برامج الوقاية والتوعية، وتوفير بدائل اقتصادية للمجتمعات التي تعتمد على زراعة المحاصيل المخدرة، إلى جانب توسيع التعاون بين الحكومات والمؤسسات الصحية والتعليمية والمجتمع المدني.
وبينما تتطور أساليب التهريب وتزداد المخدرات الاصطناعية تعقيداً، تبدو مكافحة هذه الظاهرة مسؤولية تتطلب تنسيقاً دولياً متواصلاً. وفي هذا الإطار، تعمل سوريا على ترسيخ نهج جديد يقوم على تفكيك البنى الإجرامية، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، وتوسيع برامج الوقاية والعلاج، في محاولة لإعادة صياغة موقعها من دولة ارتبط اسمها سابقاً بإنتاج الكبتاغون إلى شريك فاعل في جهود مكافحة المخدرات وحماية الأمن الإقليمي والدولي.
- بلال محمد الشيخ






