قدّم مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، مداخلة مطوّلة أمام مجلس الأمن خلال الجلسة المفتوحة المخصّصة لملف الأطفال والنزاع المسلح، ركّز فيها على جذور الانتهاكات التي طالت الأطفال قبل أربعة عشر عاماً، وعلى التحولات القانونية والمؤسساتية التي تقول الدولة إنها اعتمدتها بعد «التحرير»، إضافة إلى التحديات المستمرة في مخيمات الهول والروج ومخاطر الألغام ومخلفات الحرب.
وقد شكّلت المداخلة محاولة لربط الماضي بالحاضر، وتقديم رؤية رسمية حول كيفية التعامل مع ملف يُعدّ من أكثر الملفات حساسية في سياق الأزمة السورية الممتدة.
استهلّ علبي مداخلته باستعادة حادثة اعتقال مجموعة من الأطفال في درعا عام 2011 بعد كتابتهم شعارات مناهضة للنظام البائد على جدار إحدى المدارس، مؤكداً أن الطفولة كانت «الضحية الأولى للنظام البائد»، وأن تعذيب هؤلاء الأطفال وتغييبهم قسراً شكّل الشرارة التي أطلقت الثورة السورية.
واعتبر أن تلك الحادثة ليست مجرد واقعة فردية، بل محطة تأسيسية في الوعي السوري تجاه حقوق الطفل، وفي إدراك المجتمع لخطورة الانتهاكات التي طالت الفئات الأكثر هشاشة.
وبحسب علبي، فإن استحضار تلك اللحظة أمام مجلس الأمن يهدف إلى التأكيد على أن حماية الأطفال ليست ملفاً طارئاً، بل جزء من سردية سياسية واجتماعية تشكّلت عبر سنوات الثورة.
وانتقل المندوب السوري إلى الحديث عن الإطار القانوني الذي تقول الحكومة إنها اعتمدته بعد «التحرير»، موضحاً أن سورية أعادت تثبيت التزامها باتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها عام 1993، واعتبرتها جزءاً من الإعلان الدستوري الصادر في آذار من العام الماضي.
وأشار إلى أن هذا الدمج الدستوري يعكس، وفق الرواية الرسمية، توجهاً نحو جعل حماية الأطفال بنداً أساسياً في التشريعات والسياسات الحكومية، بما في ذلك تطوير آليات الرصد، وتحديث الإجراءات المتعلقة بالرعاية والتعليم، وتعزيز دور المؤسسات المختصة في متابعة الانتهاكات.
وتوقّف علبي عند زيارة الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، السيدة فريزر، إلى سورية في شباط الماضي، موضحاً أنها التقت مسؤولين رفيعي المستوى في وزارات عدة، واطلعت على الإجراءات الحكومية المتخذة لحماية الأطفال.
وأعلن انضمام سورية إلى مبادرة «أثبتوا أهميتها» التي أطلقتها فريزر، مؤكداً أن العمل جارٍ مع مكتبها لصياغة خطة عمل وطنية تهدف إلى منع الانتهاكات بحق الأطفال، وتطوير آليات الاستجابة، وتوسيع نطاق التعاون مع المؤسسات الأممية في هذا المجال. ويأتي هذا الانخراط، بحسب علبي، في إطار سعي الحكومة إلى تعزيز الشفافية وتطوير أدوات الحماية بما يتوافق مع المعايير الدولية.
وفي سياق متصل، خصّص علبي جزءاً مهماً من مداخلته للحديث عن مخيمات الهول والروج في شمال شرق سورية، واصفاً إياها بـ«مخيمات الجحيم» نظراً للظروف الإنسانية القاسية التي يعيش فيها آلاف الأطفال والنساء من جنسيات متعددة.
وأشار إلى أن هؤلاء حُرموا لأكثر من سبع سنوات من الرعاية الصحية والتعليم، وأن استمرار وجودهم في تلك الظروف يشكّل خطراً إنسانياً وأمنياً على حد سواء.
ودعا الدول المعنية إلى تحمّل مسؤولياتها تجاه رعاياها الموجودين في هذه المخيمات، والإسراع في إعادتهم، مؤكداً أن الحلول الدائمة تتطلب تعاوناً دولياً مباشراً، وأن ترك هذا الملف معلّقاً يفاقم معاناة الأطفال ويطيل أمد الأزمة.
كما حذّر علبي من أن حياة الأطفال في سورية ما تزال مهددة بسبب الألغام ومخلفات الحرب غير المنفجرة المنتشرة في مناطق واسعة من البلاد، مشيراً إلى أن هذا الخطر اليومي يعرقل عودة الحياة الطبيعية ويحدّ من قدرة المجتمعات على التعافي.
ورحّب بأي جهود دولية للمساعدة في إزالة الألغام وتعزيز برامج التوعية، مؤكداً أن حماية المدنيين، وخاصة الأطفال، تتطلب موارد كبيرة وتعاوناً تقنياً مستمراً.
وفي ختام مداخلته، قال علبي إن في سورية اليوم جيلاً كاملاً لم يعرف سوى الحرب، واصفاً إياه بـ«جيل الثورة السورية الذي نعتزّ به»، معتبراً أنه سيكون الجيل الذي سيتولى إعادة بناء «سورية الحرة والآمنة والمزدهرة».
- بلال محمد االشيخ






