العميد الطيار حسن حمادة

في مثل هذا اليوم من الحادي والعشرين من حزيران عام 2012، سجّل العميد الطيار حسن الحمادة واحدة من أكثر اللحظات رسوخًا في ذاكرة السوريين، حين اتخذ قراره الأصعب والأكثر جرأة في مسيرته العسكرية، فقاد طائرته المقاتلة من طراز ميغ-21 في إقلاع لم يكن يشبه أي طلعة جوية نفذها خلال سنوات خدمته، إذ لم يكن الهدف تنفيذ مهمة قتالية أو تدريبية، بل كان الهروب من المشاركة في قصف المدنيين، والانحياز إلى ضميره وإلى شعبه، في خطوة شكلت أول انشقاق لطائرة حربية عن سلاح الجو السوري منذ اندلاع الثورة.

كان ذلك الإقلاع بداية مسار جديد، مسار يختلط فيه الخطر بالأمل، والقرار العسكري بالموقف الأخلاقي، ليهبط في قاعدة الملك حسين الجوية في الأردن، معلنًا نهاية مرحلة وبداية أخرى، ومحولًا حادثة فردية إلى رمز وطني واسع التأثير.

لقد شكّل انشقاق الحمادة صدمة سياسية وعسكرية للنظام المخلوع، الذي سارع إلى وصفه بـ”الفار والخائن”، بينما استقبلته أوساط الثورة بوصفه نموذجًا لضابط رفض أن يكون شريكًا في قتل أبناء بلده.

لم يكن الحدث عادياً، بل كان هروباً نحو الحرية فانشقاقه فتح بابًا للأمل في إمكانية حدوث انشقاقات أوسع داخل بنية الجيش، في وقت كان النظام المخلوع يستخدم سلاح الجو كأداة رئيسية في قمع وتدمير المدن والبلدات المنتفضة.

وقد تزامن ذلك مع حالة من الترقب الشعبي، إذ رأى كثيرون في خطوة الحمادة مؤشرًا على أن الثورة قادرة على اختراق جدار المؤسسة العسكرية، وأن الضباط ليسوا كتلة واحدة، بل أفرادًا يمكن أن يختاروا الانحياز إلى الشعب متى سنحت لهم الفرصة.

بعد حصوله على اللجوء السياسي في الأردن، لم يتوقف الحمادة عند حدود الرمز، بل انتقل إلى مرحلة جديدة من العمل العسكري المنظم، فغادر الأردن إلى تركيا، ومنها عاد إلى الشمال السوري ليبدأ مسارًا ميدانيًا واسعًا.

أسس “لواء يوسف العظمة” ثم “تجمع القوة 21″، قبل أن يتولى قيادة “الفرقة 101 مشاة” بين عامي 2014 و2016، وهي من أبرز تشكيلات الجيش السوري الحر في تلك المرحلة.

وقد استثمر خبرته العسكرية، ولا سيما عمله السابق في مركز البحوث العلمية – فرع الطيران المسيّر، في تطوير قدرات الفصائل، بما في ذلك العمل على صواريخ أرض–جو قصيرة المدى، في محاولة لمواجهة التفوق الجوي للنظام.

خلال تلك السنوات، لعب الحمادة دورًا مهمًا في تنظيم العمل العسكري، وتوحيد جهود المقاتلين، وتطوير آليات القيادة والسيطرة، في وقت كانت فيه المعارضة المسلحة تعاني من تشتت كبير في بنيتها التنظيمية.

ومع تطور مسار المعارضة السياسية والعسكرية، انتقل الحمادة إلى العمل ضمن مؤسساتها الرسمية، فعُيّن نائبًا لوزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة عام 2017، قبل أن يُنتخب وزيرًا للدفاع في الخامس عشر من تشرين الثاني 2021، خلفًا للواء سليم إدريس.

وقد شكّل هذا التدرج اعترافًا بثقة واسعة اكتسبها الرجل خلال سنوات الثورة، وبقدرته على الجمع بين الخبرة العسكرية والقدرة على الإدارة السياسية، في مرحلة كانت المعارضة فيها بحاجة إلى شخصيات ذات مصداقية وخبرة ميدانية لقيادة مؤسساتها العسكرية. لاحقًا، تولى منصب نائب رئيس أركان القوى الجوية في الجيش الوطني السوري، ليعود إلى محيط اختصاصه الجوي، ولكن من موقع قيادي يهدف إلى بناء مؤسسة عسكرية جديدة، مختلفة في بنيتها وأهدافها عن المؤسسة التي انشق عنها.

بعد مرور أربعة عشر عامًا على ذلك الإقلاع التاريخي، لا تزال حادثة انشقاق العميد حسن الحمادة واحدة من أكثر اللحظات دلالة في مسار الثورة السورية.

فهي لحظة تختصر شجاعة فرد، وأخلاق ضابط، ورمزية ثورة، وتكشف كيف يمكن لقرار واحد أن يغيّر مسار حياة كاملة، وأن يترك أثرًا يتجاوز صاحبه ليصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية.

واليوم، ومع استمرار مسار بناء المؤسسات سيما العسكرية والجيش، يعود اسم الحمادة ليُطرح في سياق إعادة تشكيل بنية عسكرية وطنية، بعيدًا عن إرث القمع الذي ثار السوريون ضده، وبما ينسجم مع تطلعاتهم إلى دولة عادلة ومؤسسات مهنية.

لقد كتب الحمادة في ذكرى انشقاقه: “يوم أقلعت ولم أعد… كان أصعب إقلاع، وأصدق هبوط.” وربما تختصر هذه الجملة كل ما يمكن قوله عن تلك اللحظة. فالإقلاع كان قرارًا ضد الظلم، والهبوط كان بداية حياة جديدة، أما المسيرة التي تلت، فهي محاولة مستمرة لبناء وطن يستحق الحرية التي حلق من أجلها.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top