جماهير سورية تحيي ذكرى التحرير

لم يكن السوري الذي غادر وطنه خلال السنوات الماضية يبحث عن حياة مترفة أو مغامرة جديدة في بلاد بعيدة، بل كان في كثير من الأحيان يهرب من ظروف فرضتها الحرب أو الأوضاع الاقتصادية أو انعدام الاستقرار. حمل حقيبته، وغادر بيته وذكرياته وأحبته، على أمل أن يأتي يوم يعود فيه إلى وطنه وقد انقشعت الغيوم وعادت الحياة إلى طبيعتها.

واليوم، وبعد أن شهدت سوريا تغيرات مهمة وبدأت مظاهر الاستقرار تعود إلى أجزاء واسعة من البلاد، يجد مئات الآلاف من السوريين المقيمين في أوروبا أنفسهم أمام سؤال مصيري يتكرر في المجالس العائلية وعلى موائد الطعام وفي أحاديث الأصدقاء: هل حان وقت العودة؟

ظاهرياً يبدو الجواب بسيطاً، فالوطن بالنسبة للسوري ليس مجرد قطعة أرض أو مكان إقامة، بل هو جزء من هويته وذاكرته ووجدانه. الوطن هو البيت الأول، وصوت المؤذن في الحي القديم، ورائحة الخبز في الصباح، ووجوه الجيران والأقارب، ومقابر الآباء والأجداد. لذلك فإن فكرة العودة لا تغيب عن قلب أي مغترب مهما طالت سنوات الغياب.

لكن الواقع يفرض أسئلة أكثر تعقيداً من مجرد الحنين.

فالمغترب السوري الذي استقر في أوروبا خلال السنوات الماضية استطاع، بدرجات متفاوتة، أن يؤسس حياة جديدة. تعلم لغة جديدة، وحصل على عمل أو أكمل دراسته، وأدخل أبناءه إلى المدارس والجامعات، وبدأ يشعر بشيء من الاستقرار الذي افتقده لسنوات طويلة. وفي الوقت نفسه بقي قلبه معلقاً بسوريا، يتابع أخبارها يوماً بيوم، ويتمنى أن يراها تنهض من جديد.

وعندما بدأت تتعزز الآمال بإمكانية العودة، اصطدم هذا الحلم بواقع اقتصادي صعب تعيشه البلاد. فالكثير من العائلات السورية في الداخل تواجه تحديات كبيرة في تأمين احتياجاتها الأساسية، وتعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الدخل وقلة فرص العمل. كما أن البنية الاقتصادية التي تضررت خلال سنوات طويلة تحتاج إلى وقت وجهود ضخمة حتى تستعيد عافيتها.

ومن هنا يبدأ الصراع الحقيقي داخل نفس المغترب السوري.

فهو من جهة يشتاق إلى وطنه شوقاً لا يوصف، ويتمنى أن يرى أبناءه يكبرون بين أهلهم وأقاربهم، وأن يعيشوا ثقافتهم ولغتهم وهويتهم في بيئتها الطبيعية. لكنه من جهة أخرى يشعر بمسؤولية ثقيلة تجاه أسرته ومستقبل أولاده. فقرار العودة لا يتعلق به وحده، بل بمصير عائلة كاملة بنت جزءاً من حياتها في أوروبا.

الأب الذي أمضى سنوات في بناء استقرار عائلته يتساءل: هل أستطيع أن أوفر لأبنائي في سوريا مستوى التعليم الذي اعتادوا عليه؟ وهل سأجد فرصة عمل تكفل حياة كريمة لأسرتي؟ وهل أستطيع أن أبدأ من جديد بعد سنوات طويلة من بناء حياتي في الخارج؟

أما الأم فتفكر في تفاصيل أخرى لا تقل أهمية؛ مستقبل الأطفال، والرعاية الصحية، والاستقرار الاجتماعي، وفرص التعليم الجامعي. وبين هذه الأسئلة كلها يبقى القلب مشدوداً إلى الوطن بينما يحاول العقل أن يحسب المعادلات الصعبة.

وتزداد الحيرة لدى كثير من السوريين مع مرور الزمن، فالأبناء الذين غادروا وهم أطفال أو وُلد بعضهم في أوروبا أصبحوا جزءاً من مجتمعات جديدة. يتحدثون أكثر من لغة، ويدرسون في مدارس أوروبية، ويحلمون بمستقبل ارتبط إلى حد كبير بالبلدان التي يعيشون فيها. ولذلك فإن قرار العودة بالنسبة للجيل الأول من المغتربين يختلف كثيراً عنه بالنسبة لأبنائهم الذين لم يعرف بعضهم سوريا إلا من خلال الصور والقصص التي يرويها الآباء والأمهات.

ورغم ذلك، فإن الحديث عن العودة لم يتوقف يوماً.

ففي اللقاءات العائلية والمناسبات الاجتماعية تجد أن معظم السوريين ما زالوا يتحدثون عن مشاريع صغيرة يحلمون بتنفيذها في بلداتهم ومدنهم، وعن بيوت يرغبون في ترميمها، وعن أراضٍ يتمنون العودة إليها، وعن مستقبل يأملون أن يكون لهم فيه دور في إعادة بناء وطنهم.

هذه المشاعر تكشف حقيقة مهمة، وهي أن الاغتراب بالنسبة لغالبية السوريين لم يكن خياراً نهائياً بقدر ما كان مرحلة فرضتها الظروف. ولذلك فإن كثيراً من المغتربين لا ينظرون إلى أنفسهم كأشخاص غادروا وطنهم إلى الأبد، بل كأبناء لوطن ينتظرون اللحظة المناسبة للعودة إليه والمساهمة في نهضته.

وفي المقابل، فإن عودة أعداد كبيرة من الكفاءات والخبرات السورية المنتشرة في أوروبا والعالم يمكن أن تشكل فرصة تاريخية لسوريا في المرحلة المقبلة. فهؤلاء اكتسبوا خبرات علمية ومهنية وإدارية مهمة، ويمكن أن يكون لهم دور كبير في دعم عملية التنمية وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات وتطوير الاقتصاد إذا توفرت البيئة المناسبة التي تشجعهم على العودة والاستثمار والعمل.

إن قضية عودة المغتربين السوريين ليست مجرد قرار شخصي، بل هي ملف وطني واجتماعي واقتصادي معقد يرتبط بمستقبل سوريا نفسها. فكلما تحسنت الظروف الاقتصادية، وتوفرت فرص العمل، وتعزز الاستقرار، زادت قدرة الوطن على استعادة أبنائه الذين يحملون له كل هذا الحب والوفاء.
ويبقى المشهد الأكثر تأثيراً هو ذلك المشهد الذي يتكرر في بيوت السوريين في أوروبا: أب يجلس أمام شاشة هاتفه يتابع أخبار مدينته، وأم تحتفظ بمفتاح بيت قديم لم تنسه، وأطفال يسمعون قصصاً لا تنتهي عن الوطن البعيد. وبين الحنين والواقع، وبين الأمل والقلق، يعيش المغترب السوري مرحلة من أكثر مراحل حياته حساسية، منتظراً اليوم الذي يستطيع فيه أن يعود إلى وطنه لا مدفوعاً بالعاطفة وحدها، بل مطمئناً إلى أن العودة أصبحت بداية جديدة لحياة كريمة ومستقرة.

فالوطن بالنسبة للسوري ليس مجرد مكان يعود إليه، بل هو الحلم الذي لم يغادر قلبه يوماً، مهما ابتعدت المسافات وطالت سنوات الغربة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top